قوله : * ( [ بَشِيراً وَنَذِيراً ] ) * بشيرا للمطيعين بالثواب ونذيرا للمجرمين بالعقاب والقرآن بشارة ونذارة إلَّا أنّه أطلق اسم الفاعل عليه للتنبيه على كونه كاملا في هذه الصفة كما يقال : شعر شاعر وكلام قائل * ( [ فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ] ) * ومع هذه الصفات الَّتي في القرآن أكثرهم لا يلتفتون إليه .
واجتحّ القائلون بخلق القرآن بهذه الآية لأنّه وصف بكونه تنزيلا والمنزل مشعر بالتصيير من حال إلى حال وهو معنى الحدوث ، وكذلك لفظ التنزيل مصدر بمعنى المفعول والمفعول مخلوق ، وكذلك معنى الكتاب بمعنى المكتوب فيدلّ على الحدوث . والدليل الرابع أنّ قوله « فُصِّلَتْ » يدلّ على أنّ متصرّفا يتصرّف فيه بالتفصيل والتمييز وذلك لا يكون في القديم . الخامس أنّه إنّما سمّي « قُرْآناً » لأنّه قرن بعض أجزائه بالبعض وذلك يدلّ على كونه مفعول فاعل ومجعول جاعل . السادس وصفه سبحانه بكونه « عَرَبِيًّا » وهذه النسبة لأجل أنّ هذه الألفاظ إنّما دخلت على هذه المعاني بحسب وضع العرب ولغتهم وما جعل بجعل جاعل وفعل فاعل فلا بدّ وأن يكون مخلوقا .
وأجاب القائلون بأنّه قديم بأنّ هذه الوجوه الَّتي ذكرتموها عائدة إلى الحروف والكلمات واللغات وهي عندنا محدثة مخلوقة إنّما الَّذي ندّعي قدمه شيء آخر سوى هذه الألفاظ .
والجواب عن جوابهم أنّه لو زعمتم أنّا ندّعي أنّ علم اللَّه حادث فهذه فرية بلا مرية والمراد من القرآن كلام جامع حاو لمعان مقصودة يحتاج إليه النبيّ في تبليغه متّسق بهذه الحروف والتراكيب استنسخه اللَّه بواسطة الملك من اللوح واللوح أيضا مخلوق فهذا المستنسخ من اللوح هو ما بين الدفّتين قد أحدثه بهذا التركيب وأنزله على نبيّه وليس موضوع القرآن إلَّا هذا ولا يطلق القرآن إلَّا على هذه المعنى الجامع فمن أين ثبت قدمه ؟
فإن قيل : إنّه من علم اللَّه فيلزم أن يكون قديما .
قلنا : نعم علم اللَّه قديم لكنّه لا ملازمة في الأمر بأن يكون القرآن قديما كما أنّ حول العبد وقدرته من قدرة اللَّه وحصوله بقدرة اللَّه وقوّته وهو حادث وليس بقديم .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 284
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٨٤