لمّا ذكر في أوّل السورة حال المجادلين والمكذّبين بآيات اللَّه واتّصل البعض بالبعض في النسق نبّه سبحانه في هذه الآية على الداعية الَّتي تحمّل أولئك الكفّار على المجادلة فقال :
* ( [ إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّه ِ بِغَيْرِ ] ) * حجّة ودليل إنّما يحملهم على هذا الجدال الباطل الكبر الَّذي في صدورهم وهو يحملهم على الباطل وذلك الكبر هو أنّهم لو سلَّموا نبوّتك لزمهم أن يكونوا تحت أمرك ونهيك وفي صدورهم كبر لا يرضون أن يكونوا تحت يدك .
ثمّ قال : * ( [ ما هُمْ بِبالِغِيه ِ ] ) * أي إنّهم يريدون أن لا يكونوا تحت يدك وطاعتك لكن لا يصلون إلى هذا المراد بل لا بدّ وأن يصيروا تحت أمرك ونهيك .
ثمّ قال : * ( [ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه ِ ] ) * أي فالتجئ إليه من كيد من يجادلك * ( [ إِنَّه ُ هُوَ السَّمِيعُ ] ) * بما يقولون أو تقول * ( [ الْبَصِيرُ ] ) * بما تعمل ويعملون .
قوله تعالى : * ( [ لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ] ) * وتقرير هذا الكلام أنّ الاستدلال بالشيء على غيره على ثلاثة أقسام أحدها أن يقال : لمّا قدر على الأضعف وجب أن يقدر على الأقوى وهذا فاسد وثانيها أن يقال : لمّا قد على الشيء قدر على مثله فهذا صحيح لما ثبت في العقول أنّ حكم الشيء حكم مثله وثالثها أن يقال : لمّا قدر على الأقوى الأكمل فبأن يقدر على الأقلّ الأرذل كان أولى وهذا الاستدلال في غاية الصحّة والقوّة .
ثمّ إنّ هؤلاء القوم يسلَّمون أنّ خالق السماوات والأرض هو اللَّه ويعلمون بالضرورة أنّ خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس فكان من حقّهم أن يقرّوا بأنّ القادر على خلق السماوات والأرض يكون على إعادة الإنسان الَّذي خلقه بدوا وأوّلا فهذا برهان جليّ في إفادة المطلوب ومع ذلك أكثرهم لا يعقلون ولا يعلمون .
ولمّا بيّن سبحانه بهذا التقرير الجدال المقرون بالبرهان والجدال المقرون بالكبر والجهل فرّق بين البابين بذكر المثال فقال : * ( [ وَما يَسْتَوِي الأَعْمى وَالْبَصِيرُ ] ) *
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 269
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٦٩