الَّتي أنزلها اللَّه على أنبياء بني إسرائيل التوراة والزبور والإنجيل والفرق بين الهدى والذكرى أنّ الهدى ما يكون دليلا على الشيء وليس شرطه أن يذكر شيئا آخر كان معلوما ثمّ صار منسيّا وأمّا الذكرى فهي الَّذي يكون كذلك فكتب السماويّة كلَّها مشتملة على هذين القسمين بعضها دلائل في أنفسها وبعضها مذكّرات .
ثمّ خاطب نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فقال : * ( [ فَاصْبِرْ ] ) * يا محمّد وتحمّل المشاقّ في تكذيبهم إيّاك واحتمل أذى قومك * ( [ إِنَّ وَعْدَ اللَّه ِ حَقٌّ ] ) * أي ما وعدك من النصر في الدنيا والثواب في الآخرة فاللَّه ناصرك كما نصرهم تمّ أمره بأن يقبل على طاعة اللَّه النافعة في الدنيا والآخرة .
واعلم أنّ مجامع الطاعات محصورة في قسمين : التوبة عمّا لا ينبغي والاشتغال بما ينبغي والأوّل مقدّم على أنّ التخلية مقدّمة على التحلية بحسب الرتبة الذاتيّة فوجب أن يكون مقدّما في الذكر ولو أنّ المراد امّته لأنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم ما صدر عنه مكروه فضلا من غير جائز .
أمّا التوبة عمّا لا ينبغي فهو قوله تعالى : * ( [ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ] ) * والمقصود التأدّب والتعبّد من اللَّه في حقّه لمزيد الدرجات ، ولتصير سنّة لمن بعده ولإظهار خضوعه في العبوديّة لا أنّه صدر منه الذنب بل تعليم للدعاء والاستغفار .
وأمّا الاشتغال بما ينبغي فهو قوله : * ( [ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكارِ ] ) * والتسبيح عبارة عن كلّ ما لا يليق به والعشيّ والأبكار قيل : صلاة العصر وصلاة الفجر وقيل : المراد من العشيّ من النصف إلى آخر النهار والأبكار عبارة عن أوّل النهار إلى النصف وقيل : المراد طرفي النهار وقيل : الأبكار من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس قال ابن عبّاس : يريد صلوات الخمس وقيل : المراد من الآية صلّ لهذين الوقتين إذا كان الواجب بمكّة ركعتين بكرة وركعتين عشيّا .
قوله تعالى : [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 56 إلى 59 ] إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّه ِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيه ِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه ِ إِنَّه ُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( 56 ) لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) وَما يَسْتَوِي الأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ ( 58 ) إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ( 59 )