تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
فقال : * ( [ يا قَوْمِ إِنَّما هذِه ِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ ] ) * أي يستمتع بهذه الحياة الدنيا في أيّام قلائل ثمّ تنقطع وتزول * ( [ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ ] ) * والبقاء والدوام خيرا من المنقضي قال بعض العارفين : لو كانت الدنيا ذهبا فانيا والآخرة خزفا باقيا كانت الآخرة خير من الدنيا فكيف والدنيا خزف فان والآخرة ذهب باق وكما أنّ النعيم في الآخرة باق فكذلك العذاب فيها دائم والترغيب وقع في قوله بالنعيم الدائم والترهيب عن العذاب الدائم وهو من أقوى وجوه الموعظة . ثمّ بيّن حصول الجزاء في الآخرة ثوابا كان أو عقابا فقال : * ( [ مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها ] ) * والمراد بالمثل ما يقابلها في الاستحقاق . فإن قيل : كيف يصحّ هذا الكلام مع أنّ كفر ساعة يوجب عقاب الأبد ؟ قلنا : إنّ الكافر يعتقد في كفره كونه طاعة وإيمانا فلهذا السبب يكون الكافر على عزم أن يبقى مصرّا على الكفر أبدا فلا جرم كان عقابه مؤبّدا بخلاف الفاسق فإنّه يعتقد فيه كونه خيانة ومعصية فيكون على عزم أن لا يبقى مصرّا عليه فلا جرم يكون عقاب الفاسق منقطعا والعزم على الإتيان بها أيضا ليس دائما فوقعت المماثلة وهذه الآية أصل كبير في علوم الشريعة فوجب رعاية المماثلة في الأحكام إلَّا في مواضع التخصيص كما أنّ هذا الأصل جار في الأحكام الكثيرة مثل باب الجنايات على النفوس وعلى الأعضاء وعلى الأموال وعلى العبادات . فلمّا بيّن أنّ جزاء السيّئة مقصور على المثل بيّن أنّ جزاء الحسنة غير مقصور على المثل بل هو خارج عن الحساب فقال : * ( [ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ ] ) * وفيه إشارة إلى أنّ جانب الرحمة غالب على جانب العقاب وقوله : « وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً » نكرة في معرض الشرط في جانب الإثبات فمعنى الآية : إنّ كلّ من عمل صالحا وكان مواظبا على التوحيد ولم يخرج من حدّ الإيمان فإنّه يدخل الجنّة ويرزق فيها بغير حساب أي زيادة على ما يستحقّونه تفضّلا من اللَّه ولو كان على مقدار العمل فقط لكان بحساب ولكنّ المعتزلة تقول : إنّ صاحب الكبيرة عندنا ليس بمؤمن ولا يدخل في هذا الوعد .