كفرهم وتكبّرهم عن عبادة اللَّه وهذا العذاب إنّما أوردوه على أنفسهم بكفرهم على سبيل الاختيار حيث لم يعتنوا بدلائل التوحيد ولم يقبلوا قول الرسل .
* ( [ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً ] ) * فبيّن حال أهل الثواب والَّذين لم يتكبّروا عن أمره وخافوا عن مخالفة اللَّه ورسله .
فإن قيل : السوق في أهل النار للعذاب معقول لأنّهم لا بدّ وأن يساقوا إليه لأنّهم ذهبوا إليه عنفا وكرها ولكن أيّ حاجة لأهل الكرامة بالسوق ؟
فالجواب أنّه إنّما ذكر السوق على وجه المقابلة لسوق الكافرين كلفظ البشارة في قوله : « فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ » « 1 » وإنّما البشارة للخير ومثل قوله : « وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ » .
وقيل وجه آخر وهو أنّ المحبّة والصداقة باقية بين المتّقين فإذا قيل لواحد منهم : اذهب إلى الجنّة فيقول : لا أدخلها حتّى يدخلها أصدقائي فيتأخّرون لهذا السبب فحينئذ يحتاجون إلى السوق إلى الجنّة .
وقيل أيضا وجه آخر : أنّ المؤمنين الماحضين قد عبدوا اللَّه مخلصا لا للجنّة ولا للنار فتصير شدّة استغراقهم في مشاهدة مواقف الجلال والجمال مانعة لهم من الرغبة في الجنّة فلا جرم يحتاجون إلى أن يساقوا إلى الجنّة .
وقيل : إنّ أهل الجنّة وأهل النار يساقون إلَّا أنّ المراد بسوق أهل النار طردهم إليها بالهوان والعنف كما يفعل بالأسير إذا سيق إلى الحبس والمراد بسوق أهل الجنّة سوق مراكبهم لأنّه لا يذهب بهم إلَّا راكبين فالمراد إسراعهم إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يكرم ويشرف من الوافدين على الملوك شتّان ما بين السوقين ! ثمّ قال تعالى : * ( [ حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها ] ) * فإن قيل :
قال تعالى في أهل النار : « فُتِحَتْ أَبْوابُها » بغير الواو وقال هاهنا بالواو فما الفرق ؟ والفرق أنّ أبواب جهنّم لا تفتّح إلَّا عند دخول أهلها فيها فأمّا أبواب الجنّة ففتحها يكون متقدّما على وصولهم إليها بدليل قوله : « جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الأَبْوابُ » « 2 » فلذلك جيء
هامش
( 1 ) آل عمران : 21 .
( 2 ) ص : 51 .