قيامهم من القبور عقيب هذه النفخة الآخرة في الحال من غير تراخ لأنّ الفاء تدلّ على التعقيب والمراد من قوله « يَنْظُرُونَ » أي يقلَّبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذ جاءهم خطب عظيم أو ينظرون ما ذا يفعل بهم ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والخمود في مكان لأجل استيلاء الحسرة والدهشة عليهم .
ثمّ قال سبحانه : * ( [ وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها ] ) * وهذه الأرض المذكورة ليست هي هذه الأرض الَّتي يسكن ويقعد عليها الآن بدليل قوله : « يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ » « 1 » يعني أرضا لم يكسب عليها الذنوب وبدليل قوله : « وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً » « 2 » بل هي أرض أخرى يخلقها اللَّه لمحفل يوم القيامة .
وهاهنا بيان وهو أنّه قالت المجسّمة : إنّ اللَّه تعالى نور محض فإذا حضر اللَّه في تلك الأرض لأجل القضاء بين عباده أشرقت تلك الأرض بنور اللَّه وأكّدوا هذا القول بقوله : « اللَّه ُ نُورُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ » « 3 » .
وقد أجيب عن هذه الشبهة الواهية على التفصيل في سورة النور وكيف يجوز حمل الكلام في معنى النور على الحقيقة وكونه تعالى شأنه من جنس هذه الأنوار المشاهدة وقد فسّر لفظ النور في قوله : « وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها » « 4 » على العدل وقد يستعمل هذا اللفظ مجازا في هذا المعنى وفي بيان أنّ المراد من لفظ النور هاهنا ليس إلَّا هذا المعنى أمّا بيان الاستعمال فهو أنّ الناس شايع في كلامهم بأن يقولون للملك العادل : أشرقت الأرض بعد لك وأضاءت الدنيا بقسطك كما يقولون : أظلمت البلاد بجورك قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم :
الظلم ظلمات يوم القيامة .
والقرينة على أنّ المراد من النور في الآية العدل فقط أنّه تعالى قال : بعده « وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ » ومعلوم أنّ المجيء بالشهداء ليس إلَّا للشهادة وإظهار العدل . وأيضا قال في آخر الآية : « وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ » ثمّ إضافة النور إلى اللَّه لا يلزم
هامش
( 1 ) النبأ : 38 .
( 2 ) الحاقة : 14 .
( 3 ) النور : 35 .
( 4 ) الزمر : 64 .