أنّها ما أوتيت كلّ شيء في العالم وقوله تعالى : « تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ » « 1 » .
والجواب الآخر أنّه لو كانت الأعمال من العباد من خلق اللَّه لما أضافها إليهم بقوله : « كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ » « 2 » ولما صحّ قوله : « وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ِ » « 3 » ولما صحّ قوله : « وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا » « 4 » ومعلوم أنّ الكفر باطل وقال الجبّائيّ : اللَّه خالق كلّ شيء سوى أفعال خلقه الَّتي صحّ فيها الأمر والنهي واستحقّوا بها الثواب والعقاب ولو كانت أفعالهم خلقا للَّه لما جاز العقاب فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم .
وقال أبو مسلم : الخلق هو التقدير لا الإيجاد فإذا أخبر اللَّه سبحانه عن عباده أنّهم يفعلون الفعل الفلانيّ فقد قدّر ذلك الفعل فيصحّ إطلاق التقدير على الخلق وإن لم يكن له موجدا .
قوله تعالى : * ( [ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ] ) * قال ابن عبّاس : هذا أدب من اللَّه لنبيّه وتهديد لغيره لأنّ اللَّه عصمه من الشرك وهو كلام وارد على طريق الفرض والشرط ولو أنّ مشتاقا لتهييع الرسل وإقناط الكفرة والإيذان بغاية شناعة الكفر والاشتراك وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يمكن أن يباشره فكيف عن عداه وإفراد الخطاب باعتبار كلّ واحد واللام الأولى موطَّئة للقسم والأخريان للجواب .
فإن قيل : كيف صحّ هذا الكلام مع علم اللَّه أنّ رسله لا يشركون ولا تحبط أعمالهم .
فالجواب أنّ الكلام قضيّة شرطيّة والقضيّة الشرطيّة لا يلزم من صدقها صدق جزئيها ألا ترى أنّ قولك : لو كانت الخمسة زوجا لكانت منقسمة بمتساويين قضيّة صادقة مع مع أنّ كلّ واحد من جزأيها غير صادق قال اللَّه : « لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّه ُ لَفَسَدَتا » « 5 » ولم يلزم من هذا صدق القول بأنّ فيهما آلهة وبأنّهما قد فسدتا .
هامش
( 1 ) الأحقاف : 25 .
( 2 ) البقرة : 109 .
( 3 ) آل عمران : 78 .
( 4 ) ص : 27 .
( 5 ) الأنبياء : 22 .