« وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً » « 1 » وقال : « عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّه ِ » « 2 » وأيضا لفظ مذكور في معرض التعظيم فوجب أن لا يقع إلَّا على المؤمنين فظهر من هذه المقدّمات أنّ قوله : « يا عِبادِيَ » مختصّ بالمؤمنين ولأنّ المؤمن هو الَّذي يعترف بكونه عبد اللَّه وأمّا المشركون فإنّهم في الغالب يسمّون أنفسهم بعبد اللات والعزّى وعبد المسيح .
إذا ثبت هذا فنقول : إنّه تعالى قال : « الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ » عامّ في حقّ جميع المسرفين ثمّ قال تعالى : « إِنَّ اللَّه َ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً » وهذا يقتضي كونه تعالى غافرا لجميع الذنوب الصادرة عن المؤمنين .
فإن قيل : إنّ هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها وإلَّا لزم القطع بكون الذنوب مغفورة قطعا وأنتم لا تقولون به فما هو مدلول هذه الآية لا تقولون به والَّذي تقولون به لا تدلّ عليه هذه الآية فسقط الاستدلال . وأيضا إنّه قال عقيب هذه الآية :
« وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَه ُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ » ولو كان المراد من أوّل الآية أنّه غفر جميع الذنوب قطعا لما أمر عقيبه بالتوبة ولما خوّفهم بنزول العذاب عليهم من حيث لا يشعرون . وأيضا لو كان المراد ما يدلّ عليه ظاهر الآية لكان ذلك إغراء بالمعاصي وإطلاقا في الإقدام عليها وذلك لا يليق بحكمة اللَّه تعالى فعلى هذا وجب أن يحمل معنى الآية على أن يقال : المراد منه التنبيه على أنّه لا يجوز أن يظنّ العاصي أنّه لا مخلص له من عذاب اللَّه البتّة فإنّ من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة اللَّه إذ لا أحد من العصاة المذنبين إلَّا ومتى تاب زال عقابه فمعنى قوله : « إِنَّ اللَّه َ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً » أي بالتوبة والإنابة .
وأمّا الجواب عن القول : « بأنّ الآية تقتضي كون كلّ الذنوب مغفورة قطعا وأنتم لا تقولون به » « 3 » قلنا : بل نحن نقول به وبيانه أنّ صيغة « يَغْفِرُ » للاستقبال وعندنا
هامش
( 1 ) الفرقان : 63 .
( 2 ) الدهر : 6 .
( 3 ) بل الجواب ان جميعا تأكيد للذنوب والمراد ان اللَّه إذا غفر لمن يشاء يغفر جميع ذنوبه بلا فرق بين كبيرة وكبيرة فلا يقنط أحد من غفران بعض كبائرها العظيمة في نفسه ، وليس اللَّه ان يغفر بعضها ثم يعذبه ببعضها ولذلك عقبه بقوله * ( « وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا » : توبة مما سلف وتسليما لما خلف حتى يغفر لكم جميع ما سلف .