مرغوب فيه وأهل الجنّة لا شكّ أنّهم عقلاء فإذا شاهدوا الدرجات العالية الَّتي هي للأنبياء وأكابر الأولياء عرفوا أنّها خيرات عالية ودرجات كاملة والعلم بالشيء من حيث إنّه كمال وخير يوجب الميل إليه والرغبة فإذا كان كذلك فهم يشاؤن حصول تلك الدرجات لأنفسهم فوجب حصولها لهم بحكم هذه الآية أيضا وليس يحصل لهم يقينا فلو لم يحصل لهم ذلك المراد كانوا في الغصّة ووحشة القلب .
فالجواب أنّ أحوال أهل الآخرة بخلاف أحوالهم في الدنيا فيزيل اللَّه عن قلوبهم الحقد والحسد والطمع .
وفي الآية بحث آخر وهو أنّ بعض الناس تمسّكوا بهذه الآية في أنّ المؤمنين يرون اللَّه تعالى عن ذلك وذلك لقوله : « لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ » لأنّ الرؤية أعظم وجوه التجلَّي وزوال الحجاب ولا شكّ أنّها حالة مطلوبة والنصّ يقتضي حصول كلَّما شاؤه وأرادوه .
وأجيب بأنّ هذا الكلام باطل لأنّه لمّا علم أنّ هذا المطلوب ممتنع الوجود بعينه فإنّه يترك طلبه لا لأجل عدم المقتضي للطلب بل لقيام المانع وهو كونه ممتنعا في نفسه فإذا تحقّق الامتناع لهم وجودا سلب المقتضي فهم لا يشاؤن أمرا ممتنعا لأنّهم عقلاء وللمسألة جواب آخر وهو أنّ اللَّه سبحانه يزيل عن قلوبهم هذه الإشاءة فلا يشتهون هذا الأمر حتّى تقول : إنّ ترك الطلب للمانع والطلب والميل باق انتهى .
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 36 إلى 40 ] أَلَيْسَ اللَّه ُ بِكافٍ عَبْدَه ُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِه ِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّه ُ فَما لَه ُ مِنْ هادٍ ( 36 ) وَمَنْ يَهْدِ اللَّه ُ فَما لَه ُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّه ُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ ( 37 ) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه ُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّه ُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّه ِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِه ِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّه ُ عَلَيْه ِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ( 38 ) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 39 ) مَنْ يَأْتِيه ِ عَذابٌ يُخْزِيه ِ وَيَحِلُّ عَلَيْه ِ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 40 )
كانت الكفّار تخيفه صلَّى اللَّه عليه وآله بالأوثان الَّتي كانوا يعبدونها وكانوا يقولون له صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّ آلهتنا تمسّك بالضرّ فحسم اللَّه سبحانه مادّة قولهم بقوله : * ( [ أَلَيْسَ اللَّه ُ بِكافٍ ] ) * من يعبده وإنّ آلهتهم لا تضرّ ولا تنفع .