والعالم السفليّ .
فإذا عرفت الأشياء على هذا الوجه عرفت أنّ الكلّ للَّه وباللَّه ومن اللَّه ولا مؤثّر إلَّا هو وحينئذ ينقطع نظره عن هذه الممكنات ويبقى مشغول القلب بالمؤثّر الحقيقيّ فإنّه إن كان قد وضع الأسباب بحيث يتأدّى إلى هذا المطلوب فهذا الشيء يحصل وإن قد وضع بحيث لا يقضي إلى حصول هذا الشيء لم يحصل وبهذا الطريق ينقطع نظره عن الكلّ ولا يبقى في قلبه التفات إلى شيء إلَّا إلى الموجد الأوّل وقد اتّفق أنّي كنت أنصح بعض الصبيان في حفظ المال فعارضني وقال : لا يجوز الاعتماد على الجدّ والجهد بل يجب الاعتماد على قضاء اللَّه وقدره فقلت : هذه كلمة حقّ سمعتها ولكن ما عرفت معناها وذلك لأنّه لا شبهة أنّ الكلّ من اللَّه من الأسباب والمسبّبات إلَّا أنّه سبحانه دبّر الأشياء على قسمين : منها ما جعل حدوثه وحصوله معلَّقا بأسباب معلومة ومنها ما يحدثه من غير واسطة هذه الأسباب أمّا القسم الأوّل فهو حوادث هذا العالم الأسفل وأمّا القسم الثاني فهو حوادث العالم الأعلى فمن طلب حوادث هذا العالم الأسفل وأراد حصولها لا من الأسباب الَّتي عيّنها اللَّه تعالى لها كان هذا الشخص مخالفا لتدبير اللَّه ومنازعا له لأنّه تعالى حكم بحدوث هذه الأمور بناء على أسباب المعيّنة المعلومة لحصول المسبّبات وأنت تريد تحصيلها لا من تلك الأسباب وهذا خطاء فهذا هو الكلام في تحقيق الإعراض والإقبال عن غير اللَّه وإلى اللَّه فتأمّل .
قوله تعالى : * ( [ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْه ِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ] ) * بيّن سبحانه هذه الآية للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لحرصه على إسلام المشركين . والمعنى أنّك لا تقدر على إدخال الإسلام في قلوبهم فلا عليك إذا لم يؤمنوا فإنّما أتوا ذلك من قبل نفوسهم وهذا كقوله : « فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ » « 1 » الآية ، وقيل : تقدير الآية أفمن وجب عليه وعيد اللَّه بالعقاب أفأنت تخلصه من النار فاكتفى بذكر « مَنْ فِي النَّارِ » عن الضمير العائد إلى المبتدء وأتى بالاستفهام مرّتين توكيدا للتنبيه على المعنى قال ابن الأنباريّ : الوقف في الآية على قوله : « كَلِمَةُ الْعَذابِ » والتقدير : كمن وجبت
هامش
( 1 ) الكهف : 6 .