فامتنع أن تصير ذات الجسم سببا لرجحان أحد الطرفين على الآخر فالاختلاف في الأجسام مع أنّها متماثلة دليل وجود الفاعل فكذلك القول في الهداية من الفاعل والقابل عرض وإنّما قلنا : إنّ الفاعل لهذه الهداية هو اللَّه لأنّ جوهر النفس مع ما فيها من نور العقل قابل للاعتقاد الحقّ والباطل وإذا كان الشيء قابلا للضدّين كانت نسبة ذلك القابل إليهما بالسويّة فامتنع كون ذلك القابل سببا لرجحان أحد الطرفين كما بيّنّا في الجسم لأنّ ذات النفس كما أنّها قابلة لهذه الإرادة فكذلك ذات العقل قابلة لإرادة مضادّة لتلك الإرادة فيمتنع كون جوهر النفس محقّقا لتلك الإرادة فثبت أنّ حصول الهداية لا بدّلها من فاعل وقابل والفاعل هو اللَّه لكنّها مشروطة وجودها بقبول القابل فتأمّل هذه الدقيقة والآية نزلت في ثلاثة نفر كانوا يقولون في الجاهليّة : لا إله إلَّا اللَّه وهم زيد ابن عمرو بن نفيل وأبي ذرّ الغفاريّ وسلمان الفارسيّ وفي حصول هذه البشارة من السلطان الأعظم شرط عظيم وهو الإعراض عن غير اللَّه والطواغيت والإقبال على طاعة اللَّه بالكلَّيّة والمقصود من الآية هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات وحاصل الكلام في قوله :
« وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ » الإعراض عن عبوديّة ما سواه وفي قوله : « وَأَنابُوا إِلَى اللَّه ِ » الرجوع والإقبال بالكلَّيّة إلى اللَّه .
وفي السفر الخامس من التوراة أنّ اللَّه تعالى قال لموسى : يا موسى أجب إلهك بكلّ قلبك ولا شكّ أنّه ما دام يبقى في القلب الالتفات إلى غير اللَّه فهو ما أجاب إليه بكلّ قلبه وإنّما تحصل الإجابة بكلّ القلب إذا أعرض القلب عن كلّ ما سواء من باب الطاعات فمن أطاع الشيطان فقد أعرض عن اللَّه وعبد الشيطان في ذلك الأمر .
وهاهنا تحقيق للرازيّ وهو أنّه كيف يعرض الإنسان بالكلَّيّة وهو أنّه يشاهد بالحسّ الأسباب المفضية إلى المسبّبات في هذا العالم فليس المراد من إعراض القلب عنها أن يقتضي عليها بالعدم بل المراد أن يعرف الإنسان أنّ واجب الوجود لذاته واحد وأنّ كلّ ما سواه فإنّه ممكن الوجود لذاته وكلّ ما كان ممكنا لذاته فإنّه لا يوجد إلَّا بتكوين الواجب وإيجاده وإنّما جعل سبحانه تكوين الأشياء على قسمين منها ما يكون بغير واسطة وهي عالم السماوات والروحانيّات والعلويّات ومنها ما يكون بواسطة وهو عالم العناصر
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 204
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٠٤