المراد من « اليد » القدرة والاستيلاء تقول العرب : مالي بهذا الأمر من يد أي من قوّة وطاقة . الثاني اليد عبارة عن النعمة . الثالث أنّ لفظ اليد قد يراد للتأكيد كقول القائل لمن جنى باللسان : هذا ما كسبت يداك .
فلو قيل : حمل اليد على القدرة غير جائز لأنّه لو كانت اليد عبارة عن القدرة فكلّ شيء مخلوق بالقدرة حتّى إبليس ولم تكن هذه العلَّة علَّة لكون آدم مسجودا لإبليس أولى من أن يكون إبليس مسجود الآدم وكذلك لو كانت اليد عبارة عن النعمة فهو أيضا باطل لأنّ نعم اللَّه كثيرة « وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّه ِ لا تُحْصُوها » « 1 » والنعمة مخلوقة فحينئذ هذا الأمر لا يكون سبب الكمال بل سبب النقصان لكنّ المعنى أنّ السلطان العظيم إذا كان له عناية شديدة في عمل يجعل العناية الشديدة بمنزلة العمل باليد شخصا مجازا لاهتمام الأمر به وتوسّعا .
وبالجملة قوله : * ( [ قالَ ) * . . . * ( ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ] ) * هذا سؤال توبيخ ومعنى « لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » تولَّيت خلقه من غير واسطة ومثل هذا المعنى قوله : « مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا » * ( [ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ] ) * أي أرفعت نفسك فوق قدرك وتعظَّمت عن امتثال أمري أم كنت من الَّذين تعلو أقدارهم عن السجود فتعاليت عنه ؟
* ( [ قالَ ] ) * إبليس : * ( [ أَنَا خَيْرٌ مِنْه ُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَه ُ مِنْ طِينٍ ] ) * وفضّل النار على الطين * ( [ قالَ ] ) * اللَّه سبحانه : * ( [ فَاخْرُجْ مِنْها ] ) * من الجنّة أو من السماوات * ( [ فَإِنَّكَ رَجِيمٌ ] ) * طريد ومبعد عن رحمتي * ( [ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ ] ) * .
* ( [ قالَ ] ) * إبليس عند ذلك : * ( [ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ] ) * أي أخّرني إلى يوم يحشرون وهو يوم القيامة * ( [ قالَ ] ) * اللَّه : * ( [ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ ] ) * أي من المؤخّرين * ( [ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ ] ) * وإنّما طلب الإنظار إلى يوم القيامة لأجل أن يتخلَّص من الموت لأنّه إذا انظر إلى يوم البعث ولم يمت قبل يوم البعث فعند مجيء يوم البعث لا يموت أيضا فحينئذ يتخلَّص من الموت فقال اللَّه تعالى : « فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ » أي إلى يوم يعلمه اللَّه ولم ينظره إلى يوم القيامة .
هامش
( 1 ) إبراهيم : 36 .