واحتجّ بعض الجهلة بإثبات الأعضاء والجوارح للَّه تعالى بقوله تعالى : « ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ » بأنّ ظاهر الآية يدلّ عليه فوجب المصير إليه وآيات كثيرة واردة على وفق هذه الآيات فوجب القطع به .
والجواب أنّ الدلائل القطعيّة على نفي كونه جسما مركّبا كثيرة وقد سبق ذكرها في مواضع ولكن لا بأس بذكر نكتة منها حتّى تجري مجرى الإلزام لأنّ من قال : إنّ اللَّه تعالى شأنه مركّب من الأعضاء والأجزاء لزمه تعالى من هذا القول إثبات صورة لا يمكن أن يزاد عليها في القبح فضلا عن بطلان التركيب الَّذي هو أصل أصيل لأنّه يلزمه إثبات وجه لا يوجد منه إلَّا رقعة الوجه لقوله : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه ُ » « 1 » ويلزمه تعالى أن يثبت في تلك الرقعة عيونا كثيرة لقوله : « تَجْرِي بِأَعْيُنِنا » « 2 » وأن يثبت له جنبا واحدا لقوله : « يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّه ِ » « 3 » وأن يثبت على ذلك الجنب أيدي كثيرة لقوله : « مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا » « 4 » وبتقدير أن يكون له يدان فإنّه يجب أن يكون يده تعالى من الحجر الصلب لقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الحجر الأسود يمين اللَّه في الأرض وأن يثبت له ساقا واحدا لقوله تعالى : « يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ » « 5 » فحينئذ الحاصل من مثل هذه الصورة أقبح الصور بحيث لو كان صاحب هذه الصورة عبدا لم يرغب أحد في شرائه فكيف يقول العاقل : إنّ أحسن الخالقين صورته كذلك فتبيّن أنّ المراد من قوله :
« بِيَدَيَّ » وأمثاله ليس معنى الظاهر بل القدرة بحكم العقل والنقل تعالى اللَّه عمّا يقول الظالمون علوّا كبيرا .
قوله : * ( [ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ] ) * مفسّر في سورة البقرة والغرض والنظم في الآية المنع من الحسد والكبر والكفّار إنّما نازعوا محمّدا في نبوّته بسبب الحسد والكبر فاللَّه تعالى ذكر هذه القصّة ليصير سماعها زاجرا لهم عن هاتين الصفتين المذمومتين .
وهاهنا تحقيق وهو أنّ العلماء ذكروا في قوله : « بِيَدَيَّ » وجوها : الأوّل أنّ
هامش
( 1 ) القصص : 88 .
( 2 ) الجاثية : 14 .
( 3 ) الزمر : 56 .
( 4 ) يس : 71 .
( 5 ) القلم : 42 .