فإنّ عندهم أنّه سبحانه خلق الكافر لأجل أن يكفر والكفر باطل وقد خلق الباطل .
ثمّ أكّد اللَّه تعالى ذلك بأن قال : * ( [ ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ] ) * أي كلّ من قال بهذا القول فهو كافر فهذا تصريح بأنّ مذهب المجبّرة عين الكفر * ( [ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ] ) * فالويل من النار حاصل للكفّار .
واعلم أنّ قوله تعالى : « وَما خَلَقْنَا السَّماءَ » دالّ على صحّة القول بالحشر والنشر والقيامة والثواب والعقاب لأنّه تعالى خلق الخلق في هذا العالم فإمّا أن يقال : إنّه خلقهم للإضرار أو للإنفاع أو لا للإنفاع ولا للإضرار والأوّل باطل لأنّ ذلك لا يليق بالرحيم الكريم . والثالث أيضا باطل لأنّ هذه الحالة حاصلة حين كانوا معدومين فلم يبق إلَّا أن يقال : إنّه خلقهم للإنفاع فنقول : وذلك الإنفاع إمّا أن يكون في حياة الدنيا أو في حياة الآخرة والأوّل باطل لأنّ منافع الدنيا قليلة ومضارّها كثيرة وتحمّل المضارّ الكثيرة للمنفعة القليلة المستهلكة لا يليق بالحكمة ولمّا بطل هذا القسم ثبت القول بوجود حياة أخرى بعد هذه الحياة الدنيا وذلك هو القول بالحشر والقيامة والثواب والعقاب فهذا هو المراد من قوله : « ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ » لأنّ من شكّ أو أنكر الحشر كان شاكّا في حكمة اللَّه .
ولمّا بيّن هذا البيان فقال : * ( [ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ] ) * وتقرير الآية أنّا نرى في الدنيا من أطاع اللَّه واحترز عن معصيته في الفقر والزمانة وأنواع البلاء ونرى الكفرة والفسّاق في الراحة والغبطة فلو لم يكن حشر ونشر ومعاد فحينئذ يكون حال المطيع أدون من حال العاصي وذلك لا يليق بحكمة الحكيم العدل الرحيم وإذا كان ذلك قادحا في الحكمة ثبت أنّ إنكار الحشر والنشر يوجب إنكار الحكمة من اللَّه أي كيف يمكن أن نجعل الَّذين صدّقوا اللَّه ورسله وعملوا الصالحات والطاعات كالعاملين بالمعاصي في الأرض أو نجعل الَّذين اتّقوا المعاصي للَّه خوفا من عقابه كالفجّار الَّذين تركوا الطاعات ؟ إنّ هذا لا يكون أبدا .
ثمّ خاطب سبحانه نبيّه فقال : * ( [ كِتابٌ أَنْزَلْناه ُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ ] ) * أي هذا القرآن
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 164
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٦٤