تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
فضرب فانفلق . والقول الثالث أنّ تقدير الكلام : إنّ الخصم الَّذي هذا شأنه يكون قد ظلمك . ثمّ قال داود : * ( [ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ ] ) * والشركاء الَّذين خلطوا أموالهم * ( [ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ ] ) * ويتجاوزون عن حدودهم ويتعدّون بعضهم بعضا * ( [ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ] ) * لأنّ مخالطة هؤلاء لا تكون إلَّا لأجل الدين وطلب السعادات الروحانيّة فلا جرم لا توجب المنازعة وأمّا الَّذين يكون مخالطتهم لأجل الدنيا لا بدّ وأن يكون مخالطتهم سببا لمزيد البغي والعدوان ويتبيّن من هذا الكلام والاستثناء أنّ الَّذين آمنوا وعملوا الصالحات لا يبغي بعضهم على بعض فلو كان داود قد بغى وتعدّى على ذلك الرجل لزم بحكم فتوى داود أن لا يكون هو من الَّذين آمنوا ومعلوم أنّ ذلك باطل فثبت أنّ قول من يقول : المراد من واقعة النعجة قصّة داود قول باطل . ثمّ قال سبحانه : * ( [ وَقَلِيلٌ ما هُمْ ] ) * و « ما » زائدة مؤكّدة لمعنى القلَّة وللإبهام وفيه معنى التعجّب من قلَّتهم . قوله تعالى : * ( [ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاه ُ ] ) * قالوا : معناه : وعلم داود أنّما فتنّاه أي امتحنّاه والسبب الَّذي أوجب حمل لفظ الظنّ على العلم هاهنا أنّ داود لمّا قضى بينهما نظر أحدهما إلى صاحبه فضحك ثمّ صعدا إلى السماء قبل وجهه فعلم داود أنّ اللَّه ابتلاه بذلك وإنّما جاز لفظ الظنّ على العلم لأنّ العلم الاستدلاليّ يشبه الظنّ مشابهة عظيمة والمشابهة علَّة لجواز المجاز وهذا الكلام يتمّ إذا كان الخصمان ملكين وأمّا إذا لم نقل ذلك لا يلزمنا حمل الظنّ على العلم بل لمّا غلب على ظنّه حصول الابتلاء من اللَّه . * ( [ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّه ُ وَخَرَّ راكِعاً ] ) * أي ساجدا * ( [ وَأَنابَ ] ) * واستغفر ربّه وسأل الغفران ولا يلزم من الاستغفار كونه عليه السّلام مرتكبا لذنب بل حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين . روي أنّه عليه السّلام بقي ساجدا أربعين يوما وليلة لا يرفع رأسه إلَّا لصلاة مكتوبة أو لما لا بدّ منه ولا يرقأ له دمعه حتّى نبت العشب إلى رأسه ولم يشرب ماء إلَّا ثلثاه دمع ، وجهد بنفسه راغبا إلى اللَّه في العفو عنه حتّى كاد أن يهلك واشتغل بذلك عن الملك حتّى وثب ابن له
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 162 | مير سيد علي الحائري الطهراني