رجعنا في تفسير الآية ، قوله : * ( [ وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ] ) * والمراد بالاستفهام الترغيب في الاستماع كما ذكرنا أي هل أتاك خبرهم ؟ ويعبّر بالخصم عن الواحد والاثنين والجماعة بلفظ واحد لأنّ أصل المصدر يقال : رجل خصم ورجلان خصم ورجال خصم * ( [ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ] ) * أي حين صعدوا إليه المحراب وأتوه من أعلى سوره وهو مصلَّاه وأتى بلفظ الجمع أراد الفريقين .
* ( [ إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ] ) * لدخولهم عليه في غير الوقت الَّذى يحضرونه لأنّهم دخلوا عليه بغير إذنه * ( [ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ ] ) * أي قالوا لداود : نحن خصمان * ( [ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ ] ) * فجئناك لتقضي بيننا وذلك قوله : * ( [ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ ] ) * أي ولا تجر علينا في حكمك ولا تجاوز الحقّ فيه بالميل لأحدنا على صاحبه * ( [ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ] ) * أي دلَّنا إلى وسط الطريق الَّذى هو طريق الحقّ .
* ( [ إِنَّ هذا أَخِي لَه ُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ ] ) * قال الخليل : النعجة الأنثى من الضأن والعرب تكنّي عن النساء بالنعاج والشاة فحكى اللَّه سبحانه ما قاله أحد الخصمين بقوله : « إِنَّ هذا أَخِي » صاحب كذا عدد من النعاج ولي واحدة وقال لي ضمّها إليّ وأعطنيها واعزل لي عنها وهذا معنى : * ( [ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ] ) * أي غلبني في مخاطبة الكلام إن بطشني كان أشدّ منّي وإن دعا كان أكثر منّي .
* ( [ قالَ ] ) * داود : * ( [ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ ] ) * أي إن كان الأمر على ما تدّعيه لقد ظلمك بسؤاله إيّاك بضمّ نعجتك * ( [ إِلى نِعاجِه ِ ] ) * .
فإن قيل : كيف جاز لداود أن يحكم على أحد الخصمين بمجرّد قول خصمة ؟
قال محمّد بن إسحاق : لمّا فرغ الخصم الأوّل من كلامه نظر داود إلى الخصم الَّذى لم يتكلَّم وقال : لئن صدق لقد ظلمته والحاصل أنّ هذا الكلام كان مشروطا بشرط كونه صادقا في دعواه . وقال ابن الأنباريّ : لمّا ادّعى أحد الخصمين اعترف الثاني فحكم داود ولم يذكر اللَّه الاعتراف لدلالة ظاهر الكلام عليه كما تقول : أمرتك بالتجارة فكسبت تريد اتّجرت فكسبت كما قال سبحانه : « أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ » « 1 » أي
هامش
( 1 ) الشعراء : 64 .