في الصبر والطاعة وكيف يكون من هو قلبه مشغول بالفجور والقتل وحظَّ النفس كثير الرجوع إلى اللَّه في الطاعة وأن يكون « أوّابا » بصيغة المبالغة وكيف يليق بمثل هذا الإنسان أن تكون الجبال والطيور مسخّرة وتابعة له ليتّخذه وسيلة إلى القتل والفجور ؟ وقد قيل : إنّه كان محرّما عليه صيد شيء من الطير فحينئذ بزعمكم أنّ الطير آمن منه ولا ينجو منه الرجل المسلم على نفسه وزوجته ؟ وقد قال اللَّه تعالى :
في حقّه « وَشَدَدْنا مُلْكَه ُ » وقد وفسّروا تشديد ملكه بما يقوّي الدين وبأسباب السعادة كما بيّنّا في موضعه قبل هذا ومن لا يملك نفسه عن امرأة كيف يليق بذلك ؟
ثمّ وصفه تعالى بأنّه مأتيّ الحكمة والحكم كما قال : « وَآتَيْناه ُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ » وكلّ من كان موصوفا بهذه الصفات وقابلا لهذه المواهب الجليلة كيف يرضى أن يصدر منه أمور يستنكف منه الشيطان وكلّ هذه المدائح الَّتي مدحه اللَّه تعالى ومنحه بها دالَّة أنّ براءة ساحته عن تلك الأكاذيب قبل شرح القصّة .
وأمّا الصفات المذكورة بعد القصّة فهي أيضا ناطقة بعلوّ ساحته عن مثل هذه المقامات مثل قوله : « وَإِنَّ لَه ُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ » وذكر مثل هذا الكلام إنّما يناسب في حقّ من هو قويّ في طاعة اللَّه أمّا لو كانت القصّة المتقدّمة دالَّة على سعيه في القتل والفجور لم يكن قوله : « وَإِنَّ لَه ُ عِنْدَنا لَزُلْفى » لائقا به وأمّا قوله تعالى :
« يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ » يدلّ على كذب هذه المقالات لأنّ الملك العظيم الشأن إذا حكى عن بعض عبيده أنّه قصد دماء الناس وأموالهم وأزواجهم فبعد فراغه من شرح القصّة على ملأ من الناس يقبح منه أن يقول عقبيه : أيّها العبد إنّي فوّضت إليك خلافتي ونيابتي فإنّ ذكر تلك القبائح يناسب الزجر والحجر لا أن يجعله خليفة نفسه ومن المعلومة في أصول الفقه أنّ ذكر الحكم عقيب الوصف المناسب للحكم يدلّ على كون ذلك الحكم معلَّلا بذلك الوصف فلمّا حكى اللَّه عنه تلك الواقعة القبيحة ثمّ قال بعده « إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ » أشعر هذا بأنّ الموجب لتفويض هذه الخلافة هو إتيانه بتلك الأفعال المنكرة ومعلوم أنّ هذا فاسد كيف لا ؟ وذكر العشق والسعي في القتل من أعظم منافيات الخلافة وباب العيوب .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 156
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٥٦