المعنى : فقوله تعالى : * ( [ وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ] ) * فهو نظير قوله : « هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى » وفائدة هذا الاستفهام التنبيه على جلالة القصّة المستفهم عنها ليكون داعيا إلى الاعتبار بها .
قال الرازيّ : وأقول : للناس في هذه القصّة ثلاثة أقوال :
أحدها ذكر هذه القصّة على وجه يدلّ على صدور الكبيرة عن داود عليه السّلام . وثانيها دلالتها على صدور الصغيرة عنه . وثالثها بحيث لا تدلّ على الكبيرة ولا على الصغيرة .
فأمّا القول الأوّل فحاصل كلامهم فيها أنّ داود عشق امرأة أوريا فاحتال بالوجوه الكثيرة حتّى قتل زوجها ثمّ تزوّج بها فأرسل اللَّه إليه ملكين في صورة المتخاصمين في واقعة شبيهة بواقعته وعرضا تلك الواقعة عليه فحكم داود بحكم لزم منه اعترافه بكونه مذنبا فتنبّه لذلك واشتغل بالتوبة .
وهذا القول باطل وفي نهاية الفساد من وجوه :
الأول أنّ هذه الحكاية لو نسبت إلى أفسق النّاس وأشدّهم فجورا لاستنكف منها والرجل الحشويّ الخبيث الَّذي يقرّر تلك القصّة لو نسب إلى مثل هذا العمل لبالغ في تنزيه نفسه وربّما لعن من ينسبه إليها وإذا كان الأمر كذلك فكيف يليق بالعاقل نسبتها إلى المعصوم ؟
الثاني أنّ حاصل القصّة يرجع إلى أمرين إلى السعي في قتل رجل مسلم بغير حقّ وإلى الطمع في زوجته أمّا الأول فأمر منكر قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من سعى في دم مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوبا بين عينيه « آيس من رحمة اللَّه » وأمّا الثاني فإنّ أوريا على قولكم لم يسلم من داود لا في زوجه ولا في منكوحه وقد قال صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم :
المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه .
والوجه الثالث أنّ اللَّه سبحانه وصف داود في الآية السابقة بصفات فائقة جليلة ووصفه أيضا كثيرة حسنة بعد هذه القصّة وكلّ هذه الصفات تنافي كونه عليه السّلام موصوفا بهذا الفعل المنكر ولو قلنا : إنّ داود صدرت منه هذه الكبائر لغرض شهوته فكيف يليق بأحكم الحاكمين أن يأمر محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم أفضل الرسل بأن يقتدي بداود
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 155
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٥٥