فتزوّجها داود . وهذا القول مدفوع مردود لأنّه على فرض وقوعه وصحّته لم يكن صغيرة لأنّ ذلك كان جائزا في شريعته معتادا في امّته غير مخلّ بالمروّة حيث كان يسأل بعضهم بعضا أن يستنزل عن امرأته فيتزوّجها إذا أعجبته وقد كان الأنصار في صدر الإسلام يواسون المهاجرين بمثل ذلك من غير نكير خلا أنّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لعظم منزلته وعلوّ شأنه نبّه بالتمثيل على أنّه لم يكن ينبغي له أن يتعاطى ما يتعاطاه آحاد امّته وأمّا ما قالوا : إنّ داود وقع بصره عليها فمال قلبه إليها فليس له في هذا ذنب البتّة أمّا وقوع بصره عليها من غير قصد فذلك ليس بذنب وأمّا حصول الميل عقيب النظر فليس أيضا ذنب لأنّ هذا الميل ليس في وسعه فلا يكون مكلَّفا به فمن أين حصلت الصغيرة ؟
وأمّا الاحتمال الثالث وهو ذكر هذه القصّة على وجه لا يلزم إلحاق الكبيرة والصغيرة بداود بل يوجب إلحاق أعظم أنواع المدح والثناء وهو أن تقول : روي أنّ جماعة من الأعداء طمعوا في أن يقتلوا نبيّ اللَّه داود وكان له يوم يخلو فيه بنفسه ويشتغل بعبادة ربّه فانتهزوا الفرصة في ذلك اليوم و « تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ » والتسوّر الإتيان من جهة السور أي أتوا من طرف المحراب إليه فلمّا دخلوا عليه وجدوا عنده أقواما وحرّسا يمنعونه منعم فخافوا فوضعوا كذبا فقالوا : « خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ » وباقي القصّة سيأتي بعيد هذا في تفسير الآية .
وبالجملة ليس في القرآن ما يمكن أن يحتجّ به في إلحاق الذنب بداود إلَّا ألفاظ أربعة في الجملة ظاهرا أحدها قوله : « وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاه ُ » وثانيها قوله تعالى : « فَاسْتَغْفَرَ رَبَّه ُ » وثالثها قوله : « وَأَنابَ » ورابعها قوله : « فَغَفَرْنا لَه ُ ذلِكَ » .
فنقول : إنّ هذه الألفاظ لا تدلّ على شيء منها على ما ذكروه من إثبات الذنب له عليه السّلام وتقريره من وجوه :
الأول أنّهم لمّا دخلوا عليه لطلب قتله بهذا الطريق وعلم داود ذلك دعاه الغضب إلى أن يشتغل بالانتقام منهم إلَّا أنّه مال وعدل إلى الصفح والتجاوز عنهم طلبا لمرضاة اللَّه وكانت هذه الواقعة هي الفتنة لأنّها جارية مجرى الابتلاء والامتحان ثمّ إنّه استغفر
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 159
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٥٩