عن ابن عبّاس أنّه كان يحرسه كلّ ليلة ستّة وثلاثون ألف رجل وقيل : أربعون ألفا وكان أشدّ ملوك الأرض سلطانا .
وعن عكرمة عن ابن عبّاس أنّ رجلا ادّعى عند داود على رجل أخذ منه بقرة فأنكر المدّعى عليه فقال داود للمدّعي : أقم البيّنة فلم يقمها فرأى داود في منامه أنّ اللَّه يأمره أن يقتل المدّعى عليه فتثبّت داود وقال : هو منام فأتاه الوحي بعد ذلك بأن يقتله فأحضره وأعلمه أنّ اللَّه يأمره بقتله فقال المدّعى عليه : صدق اللَّه إنّي كنت قتلت أبا هذا الرجل غيلة فقتله داود فهذه الواقعة شدّت ملكه وأمّا الأسباب الدينيّة الموجبة لهذا الشدّ فهي الصبر والتأمّل التامّ والاحتياط الكامل فحصل له مقام العبوديّة والتقوى .
قوله : * ( [ وَآتَيْناه ُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ ] ) * والمراد بالحكمة النبوّة أو العلم باللَّه وشرائعه والمراد « بفصل الخطاب » هو العلم بالقضاء والفهم والعالم بالحكمة أن يكون الإنسان يعلم حقائق الأشياء على ما هي عليه بقدر الطاقة البشريّة والعامل بالحكمة أن يكون آتيا بالعمل الأصلح الأصوب بمصالح الدنيا والآخرة فهذا هو الحكمة . وإنّما سمّي هذا الأمر بالحكمة لأنّ اشتقاق الحكمة من إحكام الأمور وتبعيدها عن أسباب الرخاوة والضعف فلهذا السبب سمّيت تلك المعارف وهذه الأعمال بالحكمة والمراد من « فَصْلَ الْخِطابِ » على ما ذكرنا معرفة أمور الَّتي بها يفصل بين الخصوم حسبما قرّره الشارع وبحيث لا يختلط شيء بشيء آخر وينفصل كلّ مقام من مقام .
قوله تعالى : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 21 إلى 25 ] وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ( 21 ) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ( 22 ) إِنَّ هذا أَخِي لَه ُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ( 23 ) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِه ِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاه ُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّه ُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ ( 24 ) فَغَفَرْنا لَه ُ ذلِكَ وَإِنَّ لَه ُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ ( 25 )