تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
واعلم أنّ اللَّه لا يأمر إلَّا بما يكون حسنا في ذاته ولا ينهى إلَّا عمّا يكون قبيحا في ذاته وقد يكون الأمر بالشيء تارة يحسن لكون المأمور به حسنا وتارة لأجل أنّ ذلك الأمر يفيد صحّة مصلحة من المصالح وإن لم يكن المأمور به في ذاته حسنا ألا ترى أنّ السيّد إذا أراد أن يروض عبده فإنّه يقول له : إذا جاء يوم الجمعة فافعل الفعل الفلانيّ ويكون ذلك من الأفعال الشاقّة ويكون مقصود السيّد من ذلك الأمر ليس أن يأتي ذلك العبد بذلك الفعل لأنّ ذلك الفعل قد يكون المولى لا يرضى بوقوعه بل الغرض من الأمر الشاقّ أن يوطَّن العبد نفسه على الانقياد والطاعة فإذا أطاع وفعل مقدّمات التكليف رفع عنه عند ذلك التكليف . قال الرازيّ : واحتجّوا بهذه الآية على أنّ اللَّه قد يأمر بما لا يريد وقوعه والدليل عليه أنّه سبحانه أمر بالذبح وما أراد وقوعه أمّا أنّه أمر بالذبح فلما تقدّم في تفسير الآية وحيث لم يقع لأنّ اللَّه نهى عن ذلك الذبح والنهي عن الشيء يدلّ على أنّ الناهي لا يريد وقوعه فثبت أنّه تعالى أمر بالذبح وثبت أنّه ما أراده وذلك يدلّ على أنّ الأمر قد يوجد بدون الإرادة انتهى . قوله تعالى : * ( [ قالَ ] ) * ابنه : * ( [ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ] ) * أي ما أمرت به * ( [ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه ُ مِنَ الصَّابِرِينَ ] ) * أي ستصاد فني بحسن توفيقه ممّن يصبر على الشدائد في جنب اللَّه ويسلم لأمره . * ( [ فَلَمَّا أَسْلَما ] ) * أي استسلما الأمر وأطاعاه * ( [ وَتَلَّه ُ لِلْجَبِينِ ] ) * أي صرعه على جبينه وقيل : كبّه على جبهته وهذا خطاء لأنّ الجبين غير الجبهة وللوجه جبينان والجبهة بينهما وإنّما وضع جبينه على الأرض لئلَّا يرى وجهه فيلحقه رقّة الآباء « 1 » . وروي أنّ إسماعيل قال : اذبحني وأنا ساجد لئلَّا تنظر إلى وجهي فعسى أن ترحمني فلا تذبحني .
هامش
( 1 ) هذا غير صحيح وان نقل عن ابن عباس ورضى به كثيرون لأنه قد يقال الجبين للجبهة أيضا ولان القربان يصلح ان يكون وجهه وجبهته إلى الكعبة فيصير مصروعا على جبينه الأيسر ولذلك قال : وتله للجبين .