معناه واللَّه خلقكم وخلق عبادتكم لكانت الآية على أن يكون عذرا لهم أقرب وأولى من أن يكون لوما وتهجينا ولكان لهم أن يقولوا : ولم توبّخنا على عبادتها واللَّه هو الفاعل لذلك فيكون الحجّة لهم لا عليهم ولأنّه قد أضاف الفعل والعمل إليهم بقوله :
« تَعْمَلُونَ » فكيف يكون مضافا إلى اللَّه وهذا تناقض ؟
وأمّا قولهم : لفظة « ما » مع ما بعدها في تقدير المصدر ممنوع وبيانه أنّ سيبويه والأخفش اختلفا في أنّه هل يجوز أن يقال : أعجبني ما قمت أي قيامك فجوّزه سيبويه ومنعه الأخفش وجماعة وقالوا : إنّ هذا لا يجوز إلَّا في فعل المتعدّي ولو سلَّمنا لكنّه أيضا قد يكون بمعنى المفعول لأنّ المراد من قوله : « أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ » أتعبدون المنحوت لا النحت لأنّهم ما عبدوا النحت وإنّما عبدوا المنحوت فوجب أن يكون المراد بقوله : « ما تَعْمَلُونَ » المعمول لا العمل فحينئذ لفظة « ما » مع ما بعدها كما يجيء بمعنى المصدر فقد يجيء بمعنى المفعول فكان حمل الآية هنا على المفعول أولى لأنّ الآية بيان تزييف مذهبهم في عبادة الأصنام .
وبالجملة لمّا أورد إبراهيم عليهم هذه الحجّة القويّة وعجزوا عن الجواب عدلوا إلى طريق الإيذاء [ ف * ( قالُوا ابْنُوا لَه ُ بُنْياناً ] ) * وكيفيّة ذلك البنيان لا يدلّ عليها لفظ القرآن قال ابن عبّاس : بنوا حائطا من حجر طوله في السماء ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا وملؤوه نارا فطرحوه فيها فذلك قوله تعالى : * ( [ فَأَلْقُوه ُ فِي الْجَحِيمِ ] ) * أي جحيم ذلك البنيان والجحيم النار العظيمة والألف واللام في « الْجَحِيمِ » يدلّ على النهاية .
* ( [ فَأَرادُوا بِه ِ كَيْداً ] ) * وحيلة وتدبيرا في إهلاكه وإحراقه بالنار * ( [ فَجَعَلْناهُمُ الأَسْفَلِينَ ] ) * بأن أهلكناهم وسلَّمنا إبراهيم ورددنا كيدهم عنه ولمّا أشرفوا عليه بعد إيقاعه في النار رأوه سالما وعلموا أنّهم مغلوبون فلمّا انقضت هذه الواقعة * ( [ قالَ ] ) * إبراهيم :
* ( [ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ ] ) * أي مهاجر وأهجر ديار الكفّار وأذهب إلى حيث أمرني اللَّه بالذهاب إليه وهي الأرض المقدّسة أي يهديني ربّي .
فإن قيل : إنّ إبراهيم جزم في هذه الآية بأنّه تعالى سيهديه ، وإنّ موسى لم يجزم
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 124
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٢٤