القرب سار السرير تحتهم ولا يجوز أن يكونوا متقابلين إلَّا مع حصول الخواطر والميل إلى القرب .
ولمّا شرح اللَّه صفة المأكل والمسكن ذكر بعده صفة الشراب فقال : * ( [ يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ ] ) * يقال للزجاجة الَّتي فيها الخمر : « كأسا » وتسمّى الخمر نفسها كأسا قال الشاعر :
وكأس شربت على لذّة
وأخرى تداويت منها بها
وعن الأخفش كلّ « كَأْسٍ » في القرآن فهي الخمر .
قوله : « مِنْ مَعِينٍ » أي من شراب أو من نهر « مَعِينٍ » مأخوذ من عين الماء أي يخرج من العيون كما يخرج الماء وسمّي « معينا » لظهوره ويجوز أن يكون فعيلا من المعين وهو الماء الشديد الجري ومنه أمعن في السير إذا اشتدّ فيه .
* ( [ بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ ] ) * صفة للخمر أشدّ بياضا من اللبن وقوله : « لَذَّةٍ » وصفت باللذّة كأنّها نفس اللذّة وعينها كما يقال : فلان جود وكرم إذا أرادوا المبالغة أو المعنى ذات لذّة بحذف المضاف .
* ( [ لا فِيها غَوْلٌ ] ) * والغول أن يغتال عقولهم قال مطيع بن أياس :
وما زالت الكأس تغتالهم
وتذهب بالأوّل فالأوّل
وقال الليث : « الغول » الصداع أي ليس فيها صداع كما في خمر الدنيا قال الواحديّ :
وحقيقته الإهلاك يقال : غاله إذا أهلكه وسمّي الصداع « غولا » لأنّه يؤدّي إلى الهلاك .
* ( [ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ ] ) * وقرئ بكسر الزاي يقال : أنزف الرجل إذا نفدت خمرته وأنزف إذا ذهب عقله من السكر والمعنى على الفتح : لا يذهب عقولهم ولا يسكرون وليس فيها نوع فساد من صداع أو خمار أو سكر .
ولمّا ذكر سبحانه مشروبهم عقّب بذكر منكوحهم فقال : * ( [ وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ ] ) * ومعنى القصر الحبس أي إنّهنّ يحبسن نظرهنّ ولا ينظرن إلى غير أزواجهنّ « عِينٌ » جمع عيناه أي نجلاء كبار الأعين حسانها * ( [ كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ] ) * شبّههنّ ببيض النعام