ثمّ أدركه الشكّ في غيبته ثمّ قال : أم كان أي بل هو من الغائبين .
ثمّ أوعده على غيبته فقال : * ( [ لأُعَذِّبَنَّه عَذاباً شَدِيداً ] ) * معناه : بنطف ريشه وإلقائه في الشمس ، عن ابن عبّاس وجماعة . وقيل : بأن أجعله مع أضداده ، وكما صحّ نطق الطير وتكليفه في زمانه جازت معاتبته على ما وقع منه من تقصير فإنّه كان مأمورا بطاعته فاستحقّ العقاب على غيبته * ( [ أَوْ لأَذْبَحَنَّه ] ) * أي لأقطعنّ حلقه عقوبة على عصيانه * ( [ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطانٍ مُبِينٍ ] ) * أي بحجّة واضحة تكون له عذرا صحيحا في سبب غيبته .
واعلم أنّ الملاحدة طعنت في هذه القصّة من وجوه : منها أنّ سليمان كان بالشام فكيف طار الهدهد في تلك الساعة من الشام إلى اليمن ثمّ رجع إليه ؟ وكيف خفي على سليمان حال مثل تلك الملكة العظيمة مع ما يقال أنّ الجنّ والإنس كانوا في طاعته وأنّه ملك الدنيا بالكلَّيّة وكان تحت راية بلقيس جماعة كثيرة وكان أولو مشورتها - على ما قيل - ثلاثمائة واثني عشر قيلا « 1 » كلّ قيل منهم تحت رايته ألف مقاتل مع أنّه يقال : إنّه لم يكن بين سليمان وبين بلدة بلقيس حال طيران الهدهد إلَّا مسيرة ثلاثة أيّام ؟ ومنها : من أين حصل للهدهد معرفة اللَّه ووجوب السجود له وإنكار سجودهم للشمس من دون اللَّه وإضافته إلى الشيطان وتزيينه ؟
والجواب عن الكلّ أنّ الإيمان والتصديق بافتقار الخلق والعالم إلى القادر المختار يزيل هذه الشكوك والبنية ليست شرطا في القدرة فإذا أراد اللَّه بأمر حصل فيه ما أراد فحينئذ يمكن أن يكون يصدر من الهدهد أمور عقلانيّ لا يصدر عن مثل ألف فيثاغورث وأفلاطون ويكون عرش بلقيس في وسط بساط سليمان وهو عليه السّلام لا يحسّ به إلَّا إذا أراد اللَّه .
وبالجملة قوله تعالى : * ( [ فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ ] ) * أي لم يلبث سليمان إلَّا زمانا يسيرا حتّى جاء الهدهد أو المعنى : فلبث الهدهد في غيبته قليلا ثمّ رجع ، فيجوز أن يكون التقدير : فمكث الهدهد في مكان غير بعيد فأتاه الهدهد بحجّة * ( [ فَقالَ أَحَطْتُ بِما لَمْ تُحِطْ بِه ] ) * أي اطَّلعت بما لم تطَّلع عليه * ( [ وجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ ] ) * بخبر صادق عن
هامش
( 1 ) بالفتح : كل قائد من قواد اليمن .