الكفّار يقولون : لم لا يجوز أن يكون القرآن من إلقاء الجنّ والشياطين كسائر ما ينزل على الكهنة من جانب الشياطين ؟ فأجاب اللَّه سبحانه بأنّ ذلك لا يتسهّل للشياطين لأنّهم مرجومون بالشهب ممنوعون عن ذلك معزولون عن استماع كلام أهل السماء .
فإن قيل : إنّ قبول امتناع الشياطين لا يحصل إلَّا بواسطة قول النبيّ والقرآن وهم لم يقبلوا هذا الأمر بأنّه صادق فيما ادّعى فكيف بهذا الدليل ؟
فالجواب أنّ العلم بكون الشياطين ممنوعين عن ذلك ليس منحصرا بإخبار النبيّ حتّى يقع الدور بل نحن نعلم بالضرورة أنّ الاهتمام بشأن الصديق أقوى من الاهتمام بشأن العدوّ ، وأيضا نحن نعلم بالضرورة أنّ محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله كان يلعن الشياطين كما أنّ كتابه ينطق بلعنه وكان صلَّى اللَّه عليه وآله يأمر الناس بلعنهم فلو كان هذا الغيب إنّما حصل من إلقاء الشياطين لكان الكفّار أولى بأن يحصل لهم هذا الغيب وهذا العلم فكان يجب اقتدارهم على مثل هذا الغيب ومثل هذا البيان أولى فلمّا لم يكن كذلك علمنا أنّ الشياطين ممنوعون عن ذلك وأنّهم معزولون عن تعرّف الغيوب .
قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 213 إلى 220 ] فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ( 213 ) وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ( 214 ) واخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 215 ) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ ( 216 ) وتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ( 217 )
الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ ( 218 ) وتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ( 219 ) إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 220 )
خاطب نبيّه والمراد به سائر المكلَّفين فقال : * ( [ فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّه إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ ] ) * بسبب ذلك * ( [ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ] ) * وإنّما أفرده بالخطاب ليعلم أنّ العظيم الشأن إذا أوعد فكيف حال من دونه ؟ وهذا لعظم الحكم فإذا حذّر الكبير فغيره أولى بالتحذير .
* ( [ وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ ] ) * أي رهطك الأدنين وأنذرهم من غير تليين بالقول ، وإنّما خصّهم بالذكر تنبيها على أنّه ينذر غيرهم وأنّه لا يداهنهم لأجل القرابة ليقطع طمع الأجانب عن المداهنة في الدين ، وامر صلَّى اللَّه عليه وآله بأن يبدأ بهم في الإنذار والدعوة