عن الصادق عليه السّلام : لو نزّلنا القرآن على العجم ما آمنت به العرب لفرط استنكاف العرب من اتّباع العجم وقد نزل على العرب فآمنت به العجم . أقول : فهذه فضيلة العجم .
وقال الرازيّ : يعني إنّا أنزلنا هذا القرآن على رجل عربيّ بلسان عربيّ مبين فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته وأنّه معجز لا يعارض بكلام مثله وانضمّ إلى ذلك بشارة كتب اللَّه السالفة به فلم يؤمنوا وجحدوه وسمّوه شعرا تارة وسحرا أخرى فلو نزّلناه على بعض الأعجمين الَّذي لا يحسن العربيّة لكفروا به أيضا لجحودهم واستنكافهم لاتّباع العجم لكنّا أنزلناه على أفصح رجل منهم من أشرف بيت ليدّبّروا فيه وليكون أدعى إلى اتّباعه وتصديقه ومع ذلك ما آمنوا به .
قوله تعالى : * ( [ كَذلِكَ سَلَكْناه فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ ] ) * أي كما أنزلنا القرآن مبيّنا وواضحا أمررناه وأدخلناه في قلوب الكافرين بأن أمرنا نبيّنا حتّى قرأه عليهم وبيّنه لهم وفهموا فصاحته ومعانيه وأنّه خارج عن القوى البشريّة حيث لم يأتوا بمثله من حيث النظم ومن حيث الإخبار بالغيب وانضمام تصديق علماء بني إسرائيل .
قوله : * ( [ لا يُؤْمِنُونَ بِه حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الأَلِيمَ ] ) * جملة مستأنفة أي مع ذلك لا يتأثّرون بأمثال تلك الأمور ولا يؤمنون به حتّى يعاينوا العذاب الأليم الملجئ إلى الإيمان حتّى لا ينفعهم * ( [ فَيَأْتِيَهُمْ ] ) * العذاب * ( [ بَغْتَةً ] ) * فجأة * ( [ وهُمْ لا يَشْعُرُونَ ] ) * بمجيئه * ( [ فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ ] ) * فيقولون تحسّرا وتأسّفا أي هل مؤخّرون لنؤمن ولنصدّق كما يستغيث المرء عند تعذّر الخلاص ، وإنّهم علموا أن لا ملجأ لهم .
قوله : * ( [ أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ] ) * لمّا أوعدهم النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله بالعذاب استعجلوا العذاب تكذيبا له فقال اللَّه سبحانه : « أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ » واستعجالهم بقولهم « فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ » « 1 » وقولهم « فَأْتِنا بِما تَعِدُنا » « 2 » ونحوهما ، هذا كان قولهم وحالهم عند نزول العذاب طلبوا النظرة .
ثمّ قال سبحانه : * ( [ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ . ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ . ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ ] ) * ثمّ بيّن تعالى أنّ استعجال العذاب على وجه التكذيب
هامش
( 1 ) الأنفال : 32 .
( 2 ) الأعراف : 69 .