إنّما يقع منهم ليتمتّعوا في الدنيا إلَّا أنّ ذلك جهل منهم لأنّ مدّة التمتّع في الدنيا متناهية قليلة ومدّة العذاب غير متناهية وليس بجائز ترجيح لذّات متناهية قليلة على آلام غير متناهية .
عن ميمون بن مهران : أنّه لقى بعض الأكابر في الطواف فقال له : عظني ، فلم يزد على تلاوة هذه الآية ، فقال ميمون : لقد وعظت فأبلغت .
وحاصل معنى الآية : لم يغن عنهم تمتّعهم المتطاول في دفع العذاب وتخفيفه . في الكافي عن الصادق عليه السّلام قال : رأى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله في منامه بني اميّة يصعدون منبره من بعده يضلَّون الناس عن الصراط إلى القهقرى فأصبح كئيبا حزينا فهبط جبرئيل فقال :
يا رسول اللَّه مالي أراك حزينا ؟ قال صلَّى اللَّه عليه وآله : يا جبرئيل إنّي رأيت بني أميّة في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلَّون الناس عن الصراط ، فقال : والَّذي بعثك بالحقّ نبيّا إنّ هذا شيء ما اطَّلعت عليه ، فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآيتين من القرآن يؤنسه بهما والآية الأولى هذه « أفرأيت » والثانية « إِنَّا أَنْزَلْناه فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ » حيث جعل اللَّه ليلة القدر لنبيّه خيرا من ألف شهر ملك بني اميّة .
وبالجملة أرأيت وأبصرت إن أنظرناهم وأخّرناهم سنين ومتّعناهم بشيء من حطام الدنيا ثمّ أتاهم العذاب لم يغن عنهم ما متّعوا به في تلك السنين من النعيم لازديادهم في الآثام واكتسابهم من المعاصي وهو استفهام في معنى التقرير .
قوله : * ( [ وما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ ] ) * أي نهلكهم بعد إقامة الحجّة عليهم بتقديم الإنذار وإرسال الرسل . قوله : * ( [ ذِكْرى وما كُنَّا ظالِمِينَ ] ) * أي أنذرناهم تذكرة ، وأنذر وذكر متقاربان كأنّه قيل : مذكورون تذكرة ، ولسنا ظلمنا هم بإصرارهم على الكفر والعناد .
وهذه الآية تكذيب لمن زعم أنّ كلّ ظلم وكفر في الدنيا وهو من خلقه وإرادته .
وغاية الظلم أن يعاقب عباده على شيء هو خلقه فيهم وأراده منهم ، تعالى اللَّه عن ذلك علوّا كبيرا .
قوله تعالى : * ( [ وما تَنَزَّلَتْ بِه الشَّياطِينُ وما يَنْبَغِي لَهُمْ وما يَسْتَطِيعُونَ ] ) * كان
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 71
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٧١