هود وصالح فلم يقبلوا منه ثمّ قال لهم ووبّخهم على الأمر القبيح فقال : اخترتم الذكران من الناس وتركتم أزواجكم الَّتي خلقها اللَّه * ( [ مِنْ أَزْواجِكُمْ ] ) * يمكن أن يكون « من » للتبيين لما خلق وأن يكون للتبعيض ويراد بما خلق العضو المباح منهنّ والمعنى :
أتركبون هذه المعصية العظيمة * ( [ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ ] ) * في جميع المعاصي فهذه المعصية من جملة ذاك ، أو المعنى : أنتم أحقّاء بان توصفوا بالعدوان والتجاوز من الحدود .
فقالوا له : * ( [ لَئِنْ لَمْ تَنْتَه يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ ] ) * أي إذا ما انتهيت من نهيك لتكوننّ في جملة من أخرجناه من بلدنا ولعلَّهم كانوا يخرجون من أخرجوه على أسوء الأحوال .
فقال لهم لوط : * ( [ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ ] ) * القلي البغض الشديد كأنّه بغض يقلي الفؤاد والكبد وهذا القول أبلغ من أن يقول : أنا لعملكم قال ، أي من الكاملين في قلاكم وبغضكم .
ثمّ قال تعالى : * ( [ فَنَجَّيْناه وأَهْلَه ] ) * من عقوبة عملهم * ( [ إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ ] ) * وأراد سبحانه بالعجوز امرأة لوط لأنّها كانت تدلّ على أهل القرية بالفساد على الأضياف فكانت من الباقين في العذاب وهلكت فيما بعد مع من خرج من القرية بما أمطره اللَّه من الحجارة والغابر الباقي في قلَّة كالتراب الَّذي يذهب بالكنس فيبقى غباره والغبر بقيّة من اللبن في الأخلاف قال الحارث بن حلَّزة :
لا تكسح الشول بأغبارها
إنّك لا تدري من الناتج
والمراد من الأهل أهليّة الزواج لا الشركة في الدين .
قوله : * ( [ ثُمَّ دَمَّرْنَا الآخَرِينَ ] ) * أهلكناهم بالخسف وقيل : بالانقلاب ثمّ أمطر على من كان غائبا منهم بالحجارة من السماء وهو قوله : * ( [ وأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ ] ) * أي بئس واشتدّ مطر الكافرين مطرهم والمخصوص بالذّم محذوف وهو مطرهم .
وهاهنا تحقيق وهو أنّ قوله تعالى : « وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ » تدلّ على بطلان الجبر لأنّه لا يقال : تذرون إلَّا مع القدرة على خلافه ولذلك لا يقال للمرء : لم تذر الصعود إلى السماء ؟ كما يصحّ أن يقال له : لم تذر الدخول والخروج .