* ( [ قالُوا وهُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ . تَاللَّه إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ . إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ ] ) * قالوا وهم أي قال هؤلاء وهم في النار والآية حكاية حالهم كأنّه قيل :
ماذا قالوا حين فعل بهم ما فعل ؟ قال العبدة وهم في النار معترفين بخطئهم في انهماكهم في الضلالة والحال أنّهم في الجحيم بصدد الاختصام مع من معهم مخاطبين لمعبوديهم بعد أن يجعل اللَّه الأصنام صالحة للاختصام بأن يعطيها القدرة على الفهم والنطق : تاللَّه إن كنّا لفي ضلال مبين إذ سوّيناكم في العبادة بربّ العالمين .
و « إن » في قوله : « إِنْ كُنَّا » مخفّفة من المثقّلة ومعناه لقد كنّا في الضلالة .
ثمّ قالوا : * ( [ وما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ ] ) * أي إلَّا أوّلنا الَّذين اقتدينا بهم وإنّهم أجرموا فاقتدينا هم عن الكلبيّ . وقيل : إلَّا الشياطين . وقيل : الكافرون الَّذين دعونا إلى الضلال .
ثمّ أظهروا الحسرة فقالوا : * ( [ فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ ] ) * يشفعون لنا في أمرنا كما نرى المؤمنين لهم شفعاء من الملائكة والنبيّين * ( [ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ] ) * من الَّذين كنّا نعدّهم أصدقاء ، والحميم من الاحتمام وهو الاهتمام وهو الَّذي يهمّه ما يهمّك ، أو من الحامة بمعنى الخاصّة وهو الصديق الخالص ، وإنّما جمع الشفعاء ووحّد الصديق لكثرة الشفعاء في العادة وقلَّة الصديق فإنّ الرجل التحق وهو في الإزهاق قد ينهض جماعة وافرة في تخليصه رحمة له وأمّا الصديق فهو أعزّ من بيض الأنوق ، أو يريد بالصديق أيضا معنى الجمعيّة .
ثمّ إنّه سبحانه حكى قولهم عنهم بقوله : * ( [ فَلَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ] ) * بأنّهم تمنّوا الرجعة إلى الدنيا ، وكلمة « لو » في مثل هذا الموضع في معنى التمنّي كأنّه قيل : فليت لنا رجوع في الدنيا ، وبين « لو » و « ليت » في المعنى قرب ويجوز أن يكون على أصل معناها وحذف الجواب تقديره : لفعلنا كيت وكيت . وهذا القول إخبار عن عزمهم تلك الساعة وليس خبرا عن إيمانهم لأنّه سبحانه أخبر على خلاف ذلك بقوله : « ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْه » « 1 » وقوله : * ( [ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً وما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ] ) * أي إنّ في ما قصصناه
هامش
( 1 ) الانعام : 28 .