قرئ « أتباعك » وإنّما استرذلوهم لقلَّة نصيبهم من الدنيا وكانوا من أهل الصناعات الخسيسة كالحجامة والسكافة والحياكة . وهذه الشبهة في غاية الركاكة لأنّ نوحا بعث إلى الخلق كافّة فلا يختلف في ذلك بسبب الفقر والغنى وشرف الصنعة ودناءتها .
فأجابهم نوح بالحقّ وهو قوله : * ( [ وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ] ) * أي لست أعلم صنائعهم ولم اكلَّف ذلك وإنّما كلَّفت أن أدعوعم إلى اللَّه وقد أجابوا إليه * ( [ إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ ] ) * أي ليس حسابهم إلَّا على الَّذي خلقني وخلقهم لو تعلمون ذلك ما عيّبتهم بصنائعهم * ( [ وما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ ] ) * وفي الآية كالدلالة على أنّ القوم سألوه عن إبعادهم لكي يتّبعوه ، فبيّن أنّ الَّذي يمنعه عن طردهم أنّهم آمنوا به ولست مكلَّفا بهذا الأمر * ( [ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ] ) * .
ثمّ إنّ نوحا لمّا تمّم هذا الجواب لم يكن منهم إلَّا التهديد [ ف * ( قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَه يا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ ] ) * والمعنى أنّهم خوّفوه بأن يقتل بالحجارة فعند ذلك حصل اليأس لنوح عليه السّلام من فلاحهم * ( [ قالَ ] ) * نوح : * ( [ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وبَيْنَهُمْ فَتْحاً ] ) * وليس الغرض منه إخبار اللَّه بالتكذيب لعلمه أنّ عالم الغيب والشهادة أعلم ولكنّه أراد أنّي لا أدعو عليهم لمّا آذوني وإنّما أدعو لأجل دينك ولأنّهم كذّبوني في وحيك ورسالتك فافتح بيني وبينهم واحكم ، والفتاحة الحكومة والفتّاح الحاكم لأنّه يفتح المستغلق والمراد من هذا الحكم إنزال العقوبة لأنّه عليه السّلام عقّبه * ( [ ونَجِّنِي ] ) * ولولا أنّ إنزال العقوبة لما كان لذكر النجاة بعده معنى حيث قال : ونجّنى * ( [ ومَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ] ) * .
* ( [ فَأَنْجَيْناه ومَنْ مَعَه ] ) * من أهل دينه * ( [ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ ] ) * أي المملوء ، والفلك السفينة الواحد على وزن قفل والجمع على وزن أسد * ( [ ثُمَّ أَغْرَقْنا بَعْدُ الْباقِينَ ] ) * أي أغرقنا بعد نجاة أصحاب نوح ونوح ، الباقين الخارجين من السفينة الكافرين به * ( [ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً ] ) * وعلامة واضحة على معرفة القادر * ( [ وما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ . وإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ ] ) * في إهلاك قوم نوح بالغرق * ( [ الرَّحِيمُ ] ) * بالمؤمنين حيث نجّاهم .
قوله تعالى : [ سورة الشعراء ( 26 ) : الآيات 123 إلى 140 ] كَذَّبَتْ عادٌ الْمُرْسَلِينَ ( 123 ) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلا تَتَّقُونَ ( 124 ) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ( 125 ) فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ ( 126 ) وما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْه مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ ( 127 )
أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ ( 128 ) وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ ( 129 ) وإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ( 130 ) فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ ( 131 ) واتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِما تَعْلَمُونَ ( 132 )
أَمَدَّكُمْ بِأَنْعامٍ وبَنِينَ ( 133 ) وجَنَّاتٍ وعُيُونٍ ( 134 ) إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 135 ) قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ ( 136 ) إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ ( 137 )
وما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ( 138 ) فَكَذَّبُوه فَأَهْلَكْناهُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً وما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 139 ) وإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 140 )