بقي ملَّة أبيكم إبراهيم وقيل : سأل ربّه أن يجعل من ذرّيّته في آخر الزمان من يكون داعيا إلى الحقّ وذلك محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله فالمراد من قوله : « واجْعَلْ لِي » بعثة محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وهذا المعنى الثاني يؤول إلى المعنى الأوّل ، وأعطاه اللَّه ذلك لأنّك لا ترى أهل دين إلَّا ويتوالون إبراهيم .
المطلوب الثالث قوله : * ( [ واجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ] ) * ولمّا طلب من ربّه معرفته والسعادة في الدنيا والدين طلب ما هو سعادة الآخرة وهي جنّة النعيم وعبّر بالإرث لأنّه لا مانع من الإرث .
المطلوب الرابع * ( [ واغْفِرْ لأَبِي إِنَّه كانَ مِنَ الضَّالِّينَ ] ) * - وفيه وجوه - وقوله :
« إِنَّه كانَ مِنَ الضَّالِّينَ » أي من الذاهبين عن الصواب ووصفه بكونه ضالًّا يدلّ على أنّه كان كافرا كفر جهالة لا كفر عناد .
ومن الوجوه أنّ المغفرة مشروطة بالإسلام وطلب المشروط متضمّن لطلب الشرط فقوله « واغْفِرْ لأَبِي » معناه يرجع إلى أنّه عليه السّلام دعا لأبيه بالإسلام .
الوجه الثاني أنّ أباه وعده بالإسلام كما قال تعالى : « وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلَّا عن موعدة وعدها » « 1 » أي وعد ابنه أن يستسلم فدعا له إبراهيم لهذا الشرط ولا يمتنع الدعاء للكافر على هذا الشرط فلمّا تبيّن له أنّه عدوّ للَّه تبرّأ منه .
الثالث أنّ أباه قال له : إنّه على دين إبراهيم باطنا وعلى دين نمرود ظاهرا تقيّة وخوفا فدعا له لاعتقاده أنّ الأمر كذلك فلمّا تبيّن له خلاف ذلك تبرّأ منه .
المطلوب الخامس قوله : * ( [ ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ] ) * الخزي هو الهوان . فلو قيل : إنّ إبراهيم كان يعلم بالضرورة هذا الأمر وهو قوله تعالى : « إنّ الخزي اليوم والسوء علي الكافرين » « 2 » ويعلم أنّ الخزي نصيب الكفّار فقط فكيف يخافه المعصوم ؟
فالجواب كما أنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين فكذا درجات الأبرار دركات المقرّبين وخزي كلّ واحد بما يليق به . والضمير في « يبعثون » راجع إلى العباد أو الضالَّين .
وبالجملة المعنى أنّه لا تفضحني ولا تعيّرني بقصور يوم يحشر الخلائق ، وهذا الدعاء
هامش
( 1 ) التوبة : 115 .
( 2 ) النحل : 27 .