يكن غرضه تعليم الخلق بالآداب كأن يقتصر على قوله : « حسبي من سؤالي علمه بحالي » .
وكان من سؤالاته أمور :
المطلوب الأول « رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً » قيل : منعاه النبوّة ، وردّ بأنّه حينئذ كان نبيّا وتحصيل الحاصل محال بل المراد كمال القوّة العلميّة والنظريّة أي زدني علما إلى علمي ، « وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » وذلك بإدراك الحقّ كاملا وكمال القوّة العملية وذلك بأن أكون عاملا في الخير .
وإنّما قدّم قوله « رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً » لأنّ القوّة النظريّة مقدّمة على القوّة العمليّة ذاتا وشرفا والعلم صفة الروح والعمل صفة البدن وكما أنّ الروح أشرف من البدن كذلك العلم أشرف من العمل وإنّما عبّر معرفة الأشياء بالحكم لأنّ الإنسان لا يعرف حقائق الأشياء إلَّا إذا استحضر في ذهنه صور الماهيّات ثمّ نسب بعضها إلى بعض بالنفي أو الإثبات وتلك النسبة بالوقوع أو اللَّاوقوع هي الحكم وهذا معنى :
« اللَّهمّ أرني الأشياء كما هي » فمثل هذا الإدراك والقوّة يسمّى حكمة وحكما ، وأمّا قوله : « وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » أمّا الصلاح فهو كون القوّة العاقلة متوسّطة بين رذيلتي الإفراط والتفريط وذلك لأنّ الإفراط في أحد الجانبين تفريط في الجانب الآخر وبالعكس فالصلاح لا يحصل إلَّا بالاعتدال ولمّا كان الاعتدال الحقيقيّ شيئا واحدا لا يقبل القسمة البتّة والأفكار البشريّة في هذا العالم قاصرة عن إدراك أمثال هذه الأشياء لا جرم لا ينفكّ البشر عن الخروج عن ذلك الحدّ ولو أنّ خروج المقرّبين عنه بعيد جدّا ويكون في القلَّة بحيث لا يحسّ به وخروج غيرهم متفاحش جدّا ولذا أظهر إبراهيم احتياجه إلى أن قال : « وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ » فاستمدّ من اللَّه سبحانه في تحصيل هذه القوّة بهذا القول . ومن هذا البيان ظهر لك المراد من قوله : حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين .
المطلوب الثاني لإبراهيم عليه السّلام قوله تعالى : * ( [ واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الآخِرِينَ ] ) * فطلب الذكر الجميل في الملَّة الحنيفيّة الحقّة الباقي على وجه الدهر كما أنّه
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 55
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٥٥