فلو قيل : لم علَّق مغفرة الخطيئة بيوم الدين وإنّما تغفر في الدنيا ؟ لأن أثر الغفران يظهر ذلك اليوم .
فإن قيل : ما فائدة « لي » في قوله « يَغْفِرَ لِي » ؟ أمّا الفائدة أنّه إذا عفى الأب عن ولده أو السيّد عن عبده في أكثر الأمر إنّما يكون طلبا للثواب أو رقّة عن العقاب أو طلبا للمحمدة والثناء فلا بدّ أن يكون نفعا راجعا إلى العافي والمعفوّ عنه أمّا الإله سبحانه فمنزّه من أن تحدث له صفة كمال أو نفع لم يكن له وإنّه كامل لذاته وإذا كان كذلك فغفرانه له راجع لرعاية حال المعفوّ عنه لا لأجل رعاية حال العافي ولهذا قال : « لي » .
قوله : * ( [ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ] ) * فبعد أن أثنى على اللَّه سبحانه ذكر مسألته وذلك تنبيه على أنّ تقديم الثناء على الدعاء من المهمّات .
وتحقيق الكلام فيه أنّ هذه الأرواح البشريّة من جنس الملائكة فكلَّما اشتغل بذكر اللَّه وكان اشتغالها بمعرفة اللَّه ومحبّته والانجذاب إلى عالم القدس أشدّ كانت مشاكلتها للملائكة أتمّ فكانت أقوى على التصرّف في أجسام هذا العالم وكلَّما كان اشتغالها بلذّات هذا العالم واستغراقها في ظلمات هذه الجسمانيّات أشدّ كانت مشاكلتها للبهائم أشدّ فكانت أكثر عجزا وضعفا وأقلّ تأثيرا في هذا العالم فمن أراد أن يشتغل بالدعاء يجب أن يقدّم على الدعاء ثناء اللَّه وذكر عظمته وكبريائه حتّى بسبب ذلك الذكر يصير قريبا في المشاكلة إلى الملائكة فتحصل له بسبب تلك المشاكلة قوّة ملكيّة سماويّة فيصير مبدءا لحدوث مطلوبه من دعوته وهذا تحقيق قوله : من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين .
فإن قال قائل : لم لم يقتصر إبراهيم عليه السّلام على الثناء مع أنّه مرويّ عنه أنّه قال : حسبي من سؤالي علمه بحالي ؟
فالجواب أنّه عليه السّلام اشتغل بالدعاء لأنّ الشارع لا بدّ له من تعليم الخلق وحين كان مشتغلا بدعوة الخلق كان مشتغلا بالثناء ثمّ الدعاء وأمّا حين ما خلا بنفسه ولم
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 54
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٥٤