بشرّ والقسم الوسط ما خلق أصلا فانحصرت القسمة إلى قسم وهو خير محض كعالم الملائكة والأنبياء والعالم العلويّ وإلى قسم فيه خير وشرّ وهو عالمنا وهو العالم السفليّ .
ثمّ إنّ العالم السفليّ الَّذي هو عالمنا وإن كان الخير والشرّ موجودين فيه لكنّه من القسم الَّذي خيره غالب فإنّك إذا قابلت المنافع بالمضارّ تجد المنافع أكثر وإذا قابلت الشرّ بالخير تجد الخير أكثر حتّى أنّ الكافر لا يمكن أن يكون وجوده شرّا محضا غاية ما في الباب أنّ الكفر يحيط خيره كفره ولا ينفعه ويستحيل أن لا يوجد منه خيرا مثلا لا يسقي العطشان شربة ولا يطعم الجائع لقمة خبز ولا يذكر ربّه في عمره وكيف يكون كذلك وهو في زمن صباه كان مخلوقا على الفطرة المقتضية للخيرات وقد اختار الكافر بسوء اختياره وقلَّة تدبّره كفره فقد جعل الشرّ لنفسه لسوء اختيار فإذا الشر الَّذي خلط بالخير أو غلب على الخير في الكافر ليس من فعل اللَّه فما فعله سبحانه في الكلّ خير محض فيرجع القسم الثاني إلى القسم الأوّل والفاعل صيّر الخير شرّا فحينئذ ترك الخير الكثير للشّر القليل لا يناسب الحكمة .
فإن قال قائل : فاللَّه قادر على تخليص هذا القسم من الشرّ بحيث لا يوجد فيه شرّ .
فالجواب أنّ معنى هذا الكلام أن يكون اللَّه مقهورا بدفع ما أفسده أنا وتفسده أنت ويكون يمنع غيره قهرا عن القبيح وهذا خلاف مقتضى عالم التكليف والخلق والأمر كما قال سبحانه : « ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها » « 1 » .
قوله : * ( [ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ] ) * أي حالا مجموعين من الجنّ والإنس لا من الملائكة ولا يقتضي ذلك دخول الكلّ لأنّ القائل يقول : ملأت الكيس من الدراهم ، ولا يلزم أن لا يبقى دراهم خارج الكيس .
قوله تعالى : * ( [ فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ ] ) * يقال لهؤلاء الَّذين طلبوا الرجعة إلى دار التكليف إذا جعلوا في العذاب : فذوقوا بما فعلتم فعل من نسي جزاء هذا اليوم فتركتم ما أمر كم اللَّه ، والنسيان الترك والإشارة بقوله : * ( [ هذا ] ) * إشارة إلى العذاب * ( [ وذُوقُوا عَذابَ ] الْخُلْدِ ) * الَّذي لا فناء له بسبب [ ما * ( كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ] ) * من الكفر والمعاصي .
هامش
( 1 ) ألم السجدة : 13 .