تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وبالجملة ثمّ إنّ الروح الزكيّ الطاهر بعد القبض عند الملائكة مثل الشخص عند أهله والخبيث الفاجر كأسير بين قوم لا يعرفهم ولا يعرف لسانهم والأوّل ينمو ويزيد صفاؤه وقوّته والآخر ويزداد شقاؤه كدورته . والحكماء يقولون : إن الأرواح الطاهرة تتعلَّق بجسم سماويّ خير من بدنها وتكمل به والأرواح الفاجرة لا كمال لها بعد التعلَّق الثاني . قوله : * ( [ ولَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ ] ) * أي عند رجوعهم إلى ربّهم ترى المجرمين حالهم واستخجالهم لترى عجبا ويمكن أن يكون خطابا للرسول تشفّيا لصدره فإنّهم يؤذونه بالتكذيب ويحتمل أن يكون عاما مع كلّ أحد قوله : * ( [ عِنْدَ رَبِّهِمْ ] ) * أي عندما يتولَّى اللَّه حساب خلقه يقولون : * ( [ رَبَّنا أَبْصَرْنا وسَمِعْنا ] ) * أي أبصرنا الرشد وصدق وعدك وسمعنا منك تصديق الرسل أو المعنى أنّا كنّا بمنزلة العمى فأبصرنا وبمنزله الصمّ فسمعنا * ( [ فَارْجِعْنا ] ) * فارددنا إلى دار التكليف * ( [ نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ ] ) * اليوم لا نرتاب شيئا من الحقّ والرسالة . ثمّ قال سبحانه : * ( [ ولَوْ شِئْنا لآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ] ) * بأن نفعل أمرا من الأمور يلجئهم إلى الإقرار بالتوحيد ولكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف لأنّ المقصود به استحقاق الثواب والإلجاء لا يثبت معه استحقاق الثواب ، قال الجبّائي : ويجوز أن يكون المراد به ولو شئنا لأجبناهم إلى ما سألوه من الردّ إلى دار التكليف ليعملوا بالطاعات . * ( [ ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي ] ) * أن أجازيهم بالعقاب ولا أردّهم وقيل : معناه ولو شئنا لديناهم إلى الجنّة * ( [ ولكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ ] ) * من كلا الصنفين بكفرهم باللَّه وكفرانهم نعمته والقول من اللَّه بمنزلة القسم فلذلك أتى بجواب القسم وهو قوله : « لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ » أي وقع القول « منّي » وهو قوله تعالى : لإبليس « لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ » هذا من حيث النقل . وأمّا بحسب وجه العقل أنّه تعالى لم يفعل فعلا خاليا عن الحكمة وهذا أمر متّفق عليه والخلاف في أنّه هل قصد الفعل للحكمة أو فعل الفعل ولزمته الحكمة لا بحيث تحمله الحكمة على الفعل وإذا علم أنّ فعله لا يخلو عن الحكمة وحكمة أفعاله بأسرها لا تدرك على سبيل التفصيل فكلّ ضرب يكون في العالم الكون والفساد يخرج من تقسيم عقليّ إلى ثلاثة وهو أنّ الفعل إمّا أن يكون خيرا محضا أو شرّا محضا أو خيرا مشوبا