تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
أنّه لا يريد أنّ الرأي في مكان وهو الخروج لما أنّ الرأي لا يتصوّر ولا يجوز فيه أن يقال : إنّه متمكّن أو هو ممّا يدخل في مكان ، إذا علم هذا فحينئذ فهم التمكّن عند استعمال كلمة الاستقرار مشروط بجواز التمكّن حتّى إذا قال : استقرّ زيد على الفلك أو على التخت يفهم منه التمكّن وكونه في مكان ولكن إذا قال القائل : استقرّ الملك على فلان لا يفهم أنّ الملك يحيّز في فلان فقول القائل : « اللَّه استقرّ على العرش » لا ينبغي أن يفهم منه كونه في مكان ما دام لم يعلم أنّه ممّا يجوز عليه أن يكون في مكان . والَّذي يدلّ على أنّه لا يجوز كون العرش مكانا له وجوه من القرآن والقرآن يبيّن بعضه بعضا : أحدها « وإِنَّ اللَّه لَهُوَ الْغَنِيُّ » وكلّ ما هو في مكان فهو في بقائه محتاج إلى مكان لأنّ الحيّز إن لم يكن لا يكون المتحيّز باقيا فالمتحيّز ينتفي عند انتفاء الحيّز وكلَّما ينتفي عند انتفاء غيره فهو محتاج إليه . الثاني قوله تعالى : « كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَه » « 1 » فالعرش يهلك وكذلك كلّ مكان فلا يبقى وهو سبحانه يبقى . الثالث قوله : « وهُوَ مَعَكُمْ » « 2 » ووجه التمسّك به هو أنّ « على » إذا استعمل في المكان يفهم منه عليه بالذات كقولنا : فلان على السطح ، وكلمة « مع » إذا استعملت في متمكّنين يفهم منها اقترانهما بالذات كقولنا : زيد مع عمرو وإذا استعمل هذا فإن كان اللَّه في مكان ونحن متمكّنون فقوله : « إِنَّ اللَّه مَعَنا » وقوله : « وهُوَ مَعَكُمْ » كان ينبغي أن يكون للاقتران وليس كذلك بل معنى المعيّة في الآية العلم والنصرة والإعانة فكذلك « عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى » أي حكمه ونظره عليه . فإن قيل : كلمة « مع » تستعمل في هذا المعنى أي معنى النصرة والإعانة يقال : فلان مع الفلان أي ناصره ومعينه . فنقول : إنّ كلمة « على » أيضا تستعمل في الحكم والنظر يقال : لولا فلان على أملاك فلان لما حصل له شيء ولا أكل من حاصلها ومعناه الإشراف والنظر فكيف لا تقول في « اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » إنّه سبحانه استوى بحكمه كما نقول : معنا بحكمه ونصرته ؟ ثمّ إنّك إذا فسّرت قوله : « عَلَى الْعَرْشِ » على الاستقرار والملكان فأمّا إن حصل
هامش
( 1 ) القصص : 88 . ( 2 ) الحديد : 4 .