« وما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » « 1 » أرسله عليهم وعلى غيرهم لينذرهم ويمنعهم عن الضلالة وإنذاره ليس مختصّا بهم .
فإن قيل : التخصيص بالذكر يدلّ على الاختصاص .
فنقول : هذا الكلام فاسد لأنّ التخصيص لا يستلزم نفي ما عداه ولأنّ قوله : « وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ » « 2 » لم يفهم منه أنّه لا ينذر غيرهم أو لم يؤمر بإنذار غيرهم ولكن لمّا كان إنذار المشركين أولى لأنّ إنذارهم كان بالتوحيد والحشر وأهل الكتاب لم ينذروا إلَّا بسبب إنكارهم الرسالة فكانوا أولى بالذكر فوقع التخصيص لأجل ذلك كذلك هاهنا .
ثمّ قال سبحانه : * ( [ اللَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ] ) * استدلّ على قدرته على خلق السماوات والأرض وفي الآية إشارة إلى أنّ الرسول عليه الدعوة إلى توحيد الخالق أي هو الَّذي خلق ولم يخلقهما غيره فلا خالق ولا إله غيره فهو واحد * ( [ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ] ) * أي فيما لو يقدّر لكان مقداره ستّة أيّام لأنّ قبل الشمس لم يكن ليل ولا نهار لأنّ الإنسان إذا نظر إلي الخلق رآه فعلا والفعل ظرفه الزمان والأيّام أشهر الأزمنة .
قوله : * ( [ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ] ) * وهاهنا تحقيق شريف وهو أنّ مذهب العلماء في أمثال هذه الآيات المتشابهات على وجهين : أحدهما ترك التعرّض إلى بيان المراد ، والثاني التعرّض إليه ، والأوّل أسلم وإلى الحكمة والسلام أقرب لأنّ من قال : إنّي لا أتعرّض إلى بيان هذا أو لا أعرف المراد في هذا لا يكون حاله إلَّا حال من لا يتكلَّم عند عدم وجوب الكلام أو لا يعلم شيئا لم يجب علمه مثلا كما في الأصول بأنّ الحشر والاعتراف به والعلم بوقوعه واجب قطعا لكنّ العلم بأنّه متى يكون غير واجب وكذلك اللَّه يجب معرفة وجوده ووحدانيّته واتّصافه بصفات الجلال ونعوت الكمال على سبيل الإجمال ويجب تعاليه سبحانه عن وصمات الإمكان والحدوث وصفات النقصان ولكنّ العلم بجميع صفاته كما هي ممّا لا يجب العلم بها فصفة الاستواء في الآية مثلا ممّا لا يجب العلم بها فمن ترك
هامش
( 1 ) الإسراء : 15 .
( 2 ) الشعراء : 214 .