التعرّض إليه لم يترك واجبا وأمّا من يتعرّض إليه لعلّ أن يخطى فترك التعرّض من هذا القبيل أسلم غاية ما في الباب أنّه لا يعلم أمرا لكنّ المتعرّض لعلّ أن يقع في جهل مركّب وعدم العلم والجهل المركّب نسبتهما كالسكوت والكذب والسكوت خير من الكذب .
وليس لقائل أن يقول بأنّ اللَّه بيّن كلّ ما أنزله لأنّ تأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز ولعلّ في القرآن ما لا يحتاج إليه أحد غير نبيّه فبيّن له لا لغيره وهو يعلم ولكن هذا المذهب له شرط وهو أن ينفي بعض ما يعلمه قطعا من أمور يوجب نقصا في ذاته كالاستقرار المكانيّ في معنى « ثُمَّ اسْتَوى » أو الجلوس مثلا فيجب القطع بنفي ذلك التوقّف هذا بيان مذهب التاركين للتعرّض في مثل هذه الآيات .
والمذهب الثاني خطر ومن يذهب إليه فريقان : أحدهما من يقول في معنى الآية :
ظاهر الآية وهو القيام والانتصاب أو الاستقرار المكانيّ وهو جهل محض بل كفر وبدعة . وثانيهما :
الاستيلاء والمراد أنّه سبحانه استوى على ملكه واستولى على عرشه كما يقال للرجل المقهور الهارب : فلان هارب لم يبق له مكان مع أنّ المكان واجب له كذلك يقال للقادر القاهر : « هو متمكّن على عرش عظمته وسرير مملكته وسلطانه وله عرش » وإن كان التنزّه عن المكان واجب له .
إذا علمت هذه المقدّمات فعلى هذا يكون معنى « ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ » أنّ اللَّه تعالى خلق السماوات والأرض ثمّ القصّة فثمّ استعملت للحكاية لا للمحكيّ أي خلق السماوات والأرض ثمّ هاهنا ما هو أعظم منه استوى على العرش وخلقته فإنّ خلقه أعظم من الكرسيّ والسماوات والأرض وهذا كما يقول القائل : فلان أكرمني وأنعم عليّ مرارا ويحكي عنه مكارمه ثمّ يقول : إنّه ما يعرفنيّ وأحسن إليّ . وقد جاء « استوى » بمعنى استولى نقلا واستعمالا أمّا النقل فمنقول كثيرا في كتب اللغة منها في ديوان الأدب وغيره ممّا يعتبر النقل عنه وأمّا الاستعمال قال الشاعر :
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق
فعلى هذا لا يفيد معنى الآية أنّه سبحانه في مكان .
وفي الآية بيان آخر وهو أنّ المراد من الاستقرار على فرض معنى الاستقرار لا يفيد أنّه سبحانه في مكان وذلك لأنّ الإنسان يقول : استقرّ رأي فلان على الخروج ومعلوم