ثمّ قال : * ( [ واصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ ] ) * لأنّ من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يؤذى فأمره بالصبر على مكارهه .
وإذا بغى باغ عليك بجهله
فاقبله بالمعروف لا بالمنكر
* ( [ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ] ) * المعزومة الواجبة ويكون المصدر بمعنى المفعول كما تقول : أكلي خبز أي مأكولي خبز .
قوله تعالى : * ( [ ولا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ولا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّه لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ ] ) * ثمّ نهاه عن التكبّر على الناس والخيلاء ، ولا تكن مفتخرا عليهم . وأصل الصعر داء يأخذ الإبل في رؤوسها وأعناقها وتلوي عنقها بسبب ذلك الداء وحاصل المعنى أنّه لا تمل وجهك من الناس تكبّرا ولا تمش بطريق البطر والخيلاء إنّ اللَّه لا يحبّ كلّ متكبّر فخور على الناس .
* ( [ واقْصِدْ فِي مَشْيِكَ واغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ ] ) * أي واجعل في مشيك قصدا مستويا على وجه السكون والوقار والتواضع ولا تختال فيه بل امش بطريق التوسّط لا بطريق المتكبّرين ولا بطريق المتماوت الَّذي يري من نفسه الضعف تزهّدا .
« واغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ » ولمّا كان الإنسان محتاجا في أموره كما أنّ الحيوانات كذلك محتاجة في أمورها بالمشي فأقدر اللَّه للإنسان المشي وقد تكون يعجز عن إدراك مطلوبه فيحصل له ذلك المطلوب بالصوت والنداء كما أنّ الحيوانات تشارك الإنسان في تحصيل المطلوب بالصوت كالغنم تطلب السخلة والبقر العجل والناقة الفصيل بالثغاء والخوار والرغاء فإذا كان المشي والصوت مفضيين إلى مقصود واحد فلمّا أرشده إلى أحدهما أرشده إلى الآخر فقال : « واغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ » إشارة إلى التوسّط في الأفعال والأقوال .
ثمّ قال : « إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ » لأنّ رفع الصوت يؤذي السامع ويقرع الصماخ بقوّة وآلة السمع على باب القلب والمعنى أنّ أنكر أصوات الحيوانات لصوت الحمير وإلَّا فمسّ المنشار بالمبرد وحتّ النحاس بالحديد أشدّ تنفيرا ، و « أنكر » أفعل التفضيل من باب أطوع له وأشدّ من أمثاله لأنّ أفعل ليس في باب العيوب والألوان إلَّا ما شذّ . وبالجملة فأقبح الأصوات صوت الحمير أوّله زفير وآخره شهيق .