وإنّما المعنى ضلّ بعيره عنه * ( [ وما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ] ) * ينصرونهم ويدفعون عنهم العذاب إذا حلّ بهم .
ثمّ خاطب نبيّه والمراد جميع المكلَّفين وقال : * ( [ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ] ) * أقم قصدك وتوجّهك للدين وكن معتقدا له ودم على الاستقامة والخلوص * ( [ حَنِيفاً ] ) * أي مائلا إلى الدين ثابتا عليه لا ترجع فيه إلى غيره .
* ( [ فِطْرَتَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ] ) * أي الزم فطرة اللَّه وهي التوحيد فإنّ اللَّه خلق الناس عليه حيث أخذ منهم العهد في ظهر آدم من ذرّاتهم وسألهم : « أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى » وقيل : معناه اتّبع من الدين ما دلَّك عليه فطرة اللَّه وهو ابتداء خلقة الأشياء لأنّه خلقهم وصوّرهم على وجه صانع حكيم يستدلّ بهذه الخلقة على صانعها والفطرة دلَّت على هذا المعنى .
* ( [ لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه ] ) * أي لا تغيير لدين اللَّه الَّذي أمر الناس بالثبات عليه من أصول الدّين وقالوا : إنّ « لا » هاهنا بمعنى النهي أي لا تبدّلوا دين اللَّه الَّذي أمرتم بالثبات عليه وقيل : المراد به النهي عن الخصاء عن ابن عبّاس وعكرمة .
ويحتمل أن يكون المعنى خلق اللَّه الخلق لعبادته وهم كلَّهم عبيد ولا خروج للخلق عن العبادة والعبوديّة وهذا البيان يفسد قول من يقول : العبادة لتحصيل الكمال والعبد يكمل بالعبادة فإذا كمل لا يبقى عليه تكليف . وكذلك يفسد قول المشركين : إنّ الناقص لا يصلح لعبادة اللَّه وإنّما الإنسان عبد الكواكب والكواكب عبيد اللَّه فنحن نعبد الكواكب والأصنام ، وكذلك يفسد قول النصارى : إنّ عيسى عليه السّلام حلّ اللَّه فيه وصار إلها فقال سبحانه : لا تبديل لخلق اللَّه الَّذي خلقهم له وهو أن يعبدوه خاصّة ولا يشركوا به شيئا .
* ( [ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ] ) * أي ذلك هو الدين المستقيم الَّذي لا عوج فيه * ( [ ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ] ) * لعدولهم عن النظر والتدبّر .
قوله تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 31 إلى 35 ] مُنِيبِينَ إِلَيْه واتَّقُوه وأَقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 31 ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 32 ) وإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْه ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْه رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 34 ) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِه يُشْرِكُونَ ( 35 )