حيّا هو في أعلى المراتب من الأجسام والنبات والحيوان وكيف لا يكون وهو المسبّح والحامد للَّه وقد شابه هذا الخلق الملائكة المسبّحين فهذه آية من شواهد ربوبيّته ووحدانيّته .
وأيضا * ( [ مِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ] ) * أي جعل لكم شكلكم أنفسكم وجنسكم أزواجا لأنّ الشكل إلى الشكل أميل وقيل : معناه أنّ حوّاء خلقت من ضلع آدم « لِتَسْكُنُوا إِلَيْها » أي لتأتلفوا بها ويستأنس بعضكم بعضا .
* ( [ وجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً ورَحْمَةً ] ) * يريد بين المرأة وزوجها فهما يتوادّان ويتراحمان ويحبّ أحدهما الآخر من غير رحم بينهما ونسب والمودّة تفضي إلى الرحمة فإنّ الزوجة قد تخرج عن محلّ الشهوة بكبر أو مرض ويبقى قيام الزوج بها وبالعكس وليس ذلك إلَّا بجعله سبحانه فيهما * ( [ إِنَّ فِي ذلِكَ ] ) * خلق الأزواج بهذه الكيفيّة المطبوعة * ( [ لآياتٍ ] ) * لأهل التدبّر والفكر .
* ( [ ومِنْ آياتِه خَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ ] ) * ولمّا بيّن سبحانه دلائل الأنفس ذكر سبحانه دلائل الآفاق وأظهر دلائلها خلق السماوات والأرض فإنّ بعض الكفّار يقول ويناقش في خلق البشر وغيره أنّه بسبب ما في العناصر من الكيفيّات ولكن لا يقدر أن يقول :
خلق السماوات بسبب امتزاج العناصر ، لأنّها ليست من العناصر .
* ( [ واخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وأَلْوانِكُمْ ] ) * فإنّ واحدا منهم مع كثرة عددهم لا يشتبه بغيره مع أنّ الغير قد حصل له في الخلقة ما حصل لمثله وكذلك اختلاف الألسنة واختلاف كلامهم فإنّ عربيّين هما أخوان إذا تكلَّما بلغة واحدة يعرف أحدهما من الآخر حتّى أنّ من يكون محجوبا عنهما لا يبصرهما يقول : هذا صوت فلان وهذا صوت فلان الآخر ، وفيه حكمة بالغة وذلك لأنّ الإنسان يحتاج إلى التمييز بين الأشخاص ليعرف صاحب الحقّ من غيره والعدوّ من الصديق وذلك قد يكون بالبصر فخلق اختلاف الصور وقد يكون بالسمع فخلق اختلاف الأصوات وأمّا اللَّمس والشمّ والذوق فلا يفيد هذه الفائدة فلا يقع بها التميّز .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 214
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢١٤