وغيرها ثمّ يخرج الدم الخالص من الكبد في عرق كبير ثمّ يتشعّب ذلك النهر الكبير إلى جداول والجداول إلى سواق والسواقي إلى رواضع ويصل بها إلى جميع البدن وهذه حكمة واحدة جزء من ألف جزء وبهذه كفاية لمن أراد أن يعرف خالقه وحكمته ومن يكون كذلك لا بدّ وأن يكون واحدا فاعلا مختارا وإلَّا لكان عاجزا عند إرادة شريكه ضدّ ما أراده لأنّ الشريك هل هو قادر على إيجاد أمر هو ضدّ ما أراده شريكه أم لا ؟ فإن كان قادرا فالأوّل عاجز وإن لم يقدر فالثاني عاجز والعاجز ناقص لا يصلح للإلهيّة .
فبهذا ثبت التوحيد والمبدء وأمّا المعاد لأنّ الإنسان إذا تفكّر في نفسه يرى قواه صائرة إلى الزوال وأجزائه مائلة إلى الانحلال فله فناء ضروريّ كأبيه وامّه فلو لم يكن له حياة أخرى لكان خلقه على هذا الوجه للفناء عبثا مع هذه المفاسد الَّتي باشرها الإنسان في هذه النشأة فلا بدّ وأن يكون له حياة أخرى وعود آخر للجزاء فثبت المعاد ، ومع ذلك .
* ( [ وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ ] ) * وبيوم البعث والقيامة جاحدون وغير معترفين به .
ثمّ نبّههم سبحانه تنبيها آخر فقال : * ( [ أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ] ) * من الأمم * ( [ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ] ) * فهلكوا وبادوا فيعتبروا بهم لأنّهم إنّما هلكوا بتكذييبهم وكانوا أقوى منهم * ( [ وأَثارُوا الأَرْضَ ] ) * وقلَّبوها وحرثوها * ( [ وعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ] ) * هؤلاء لأنّهم كانوا أكثر أموالا منكم وأطول أعمارا وأعدادا وحفروا الأنهار مثل دجلة وفرات وغرسوا الأشجار وشيّدوا القصور وبنوا الدور ثمّ انتقلوا إلى القبور وإلى الهلاك والثبور .
* ( [ وجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ] ) * وأتتهم رسلهم بالدلالات الواضحات من عند اللَّه ، وفي الكلام حذف تقديره : فجحدوا الرسل وأشركوا في العبادة فأهلكهم اللَّه بالعذاب * ( [ فَما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ ] ) * بأن يهلكهم من غير استحقاق * ( [ ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ] ) * بأن جحدوا وكذّبوا بآيات اللَّه .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 207
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٠٧