ثمّ حثّ سبحانه على التفكّر فيما يدل على توحيده من خلق السماوات والأرض وفي قرون الحالية والأمم الماضية فقال :
* ( [ أَولَمْ يَتَفَكَّرُوا ] ) * عند أنفسهم في حال الخلوة لأنّ الإنسان في تلك الحالة يحضر ذهنه ويتمكّن من التدبّر ، وقيل : معنى الآية : أولم يتفكّروا في خلق اللَّه أنفسهم فيعلموا ، وحذف لدلالة الكلام .
قوله : * ( [ ما خَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ ] ) * أي إلَّا لإقامة الحقّ وللدلالة على وجود الصانع ومعرفته وإطاعته * ( [ وأَجَلٍ مُسَمًّى ] ) * أي لوقت معلوم توفّى فيه كلّ نفس ما كسبت وخلقها في أوقات قدّرها اقتضت المصلحة خلقها فيها .
فلو قيل : كيف يعلم المتفكّر في نفسه أنّ اللَّه لم يخلق عبثا ؟
فالجواب إذا علم بالنظر في نفسه أنّه محدث مخلوق علم أنّ له محدث قديما قبله ويستكشف من خلقة بدنه وتركيبه بهذه الكيفيّة المخصوصة أنّ خالق هذا التركيب قادر حكيم لا يعادل حكمته وقدرته أحد مثلا خلقهم على أحسن تقويم فخلق للإنسان معدة فيها ينهضم غذاؤه لتقوى به أعضاؤه ولها منفذان : أحدهما لدخول الطعام فيه والآخر لخروج الطعام منه فإذا دخل الطعام فيها انطبق المنفذ الآخر بعضه على بعض بحيث لا يخرج منه ذرّة ولا بالرشح وتمسكه الماسكة إلى أن ينضج نضجا صالحا ثمّ يخرج من المنفذ الآخر ، وخلق تحت المعدة عروقا دقاقا صلابا كالمصفاة الَّتي يصفى بها الشيء فينزل منها الصافي إلى الكبد وينصبّ الثفل والدرديّ إلى معي مخلوق تحت المعدة مستقيم متوجّها إلى الخروج وما يدخل في الكبد من العروق المذكورة يسمّى الماساريقا بالعبريّة والعبريّة عربيّة مفسودة في الأكثر يقال : لموسى ميثا وللإله إيل ، إلى غير ذلك فالماساريقا معناها ما ساء ريق ، فاشتمل عليه الكبد وأنضجه نضجا آخر ويكون مع الغذاء المتوجّهة من المعدة إلى الكبد فضل ماء مشروب ليرقّق وينذرق في العروق الدقاق المذكورة وفي الكبد ثمّ يستغني الكبد عن ذلك الماء فيتميّز عنه ذلك الماء وينصبّ من جانب جذبة الكبد إلى الكلية ومعه دم يسير تغتذي به الكلية
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 206
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٠٦