والعنكبوت ؟ فيقال : الأمثال تضرب للنّاس وإن لم يكونوا كالبهائم يحصل لكم تدبّرو إدراك والتشبيه يؤثّر في النفس مثل تأثير الدليل فإنّ الحكيم إذا قال لمن يغتاب : إنّك بالغيبة كأنّك تأكل لحم ميّت لأنّك وقعت في هذا الرجل وهو غائب لا يفهم ما تقول ولا يسمع حتّى يجيب كمن يقع في لحم ميّت يأكل منه والميّت لا يعلم ولا يقدر على دفعه فحينئذ ينفر الإنسان بعد هذا التشبيه من الغيبة ، وما يعقلها وما يفهم هذه الأمثال إلَّا العلماء الَّذين عقلوا الطاعة عن المعصية فعمل بالطاعة واجتنب عن المعصية .
ثمّ بيّن ما يدلّ على الهيئة فقال : * ( [ خَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ ] ) * وأخرجهما من العدم إلى الوجود ولم يخلقهما عبثا بل خلقهما ليسكنهما خلقه وليستدلَّوا بهما على إلهيته ووحدانيّته * ( [ بِالْحَقِّ ] ) * أي حقيقة على وجه الحكمة والإتقان ولإظهار الحقّ * ( [ إِنَّ فِي ذلِكَ ] ) * الخلق والأمر * ( [ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ] ) * لأنّهم المنتفعون بذلك ولذلك خصّ المؤمنين بالذكر وإلَّا أنّهما آية للمؤمن والكافر ولمّا لم ينتفع الكافر أضيفت إلى المؤمن .
ثمّ خاطب نبيّه فقال : * ( [ اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ ] ) * أي اقرأ ما أوحي إليك من القرآن على المكلَّفين واعمل بما تضمّنه * ( [ وأَقِمِ الصَّلاةَ ] ) * أي أدّها بحدودها في مواقيتها * ( [ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ] ) * .
وفي الآية دلالة على أنّ فعل الصلاة لطف للمكلَّف في ترك القبيح والمعاصي الَّتي ينكرها الشرع والعقل فإذا كان أثرها أنّها تنهى عن القبيح يكون توقيفيّا . وقيل : إنّ الصّلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال لا تفعل الفحشاء والمنكر وذلك لأنّ فيها التكبير والتسبيح والقراءة والوقوف بين يدي اللَّه وغير ذلك من صنوف العبادة وكلّ ذلك يدعو إلى شكله ويصرف عن ضدّه لأن شبيه الشيء ينجذب إليه فحينئذ يكون مثل الآمر والناهي ومؤدّ إلى الخير وصارف عن الشرّ الَّذي ضدّه .
وقيل : تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ما دام فيها كقوله : « ومَنْ دَخَلَه كانَ آمِناً » « 1 » وهذا ضعيف لأنّه ليس مدحا للصّلاة بل النوم كذلك .
وقال ابن عبّاس في الصّلاة منهى ومزدجر عن معاصي اللَّه فمن لم تنهه صلاته عن
هامش
( 1 ) آل عمران : 97 .