العذاب بالصيحة وهو هواء متموّج فإنّ الصوت قيل : سببه تموّج الهواء ووصوله إلى الغشاء الَّذي على منفذ الاذن وهو الصماخ فيقرعه فيحسّ . والثالث العذاب بالخسف وهو الغمر في التراب والأرض . والرابع العذاب بالإغراق ، فحصل العذاب بالعناصر الأربعة والإنسان مركّب منها وبها قوامه وبسببها بقاؤه ودوامه ومع ذلك فإذا أراد اللَّه إهلاكه جعل ما منه وجوده سببا لعدمه وما به بقاؤه سببا لفنائه .
ثمّ قال سبحانه : « وما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ » يعني لم يظلمهم اللَّه بالهلاك وإنّما هم ظلموا أنفسهم بالإشراك ووضعوا أنفسهم في غير موضع الَّذي وضعهم اللَّه فإنّ موضعهم الكرامة كما قال سبحانه : « ولَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ » « 1 » فظلموا أنفسهم بعبادة غير اللَّه واختاروا الدناءة والخسّة والعذاب .
قوله تعالى : [ سورة العنكبوت ( 29 ) : الآيات 41 إلى 45 ] مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّه أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) إِنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِه مِنْ شَيْءٍ وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 42 ) وتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ( 43 ) خَلَقَ اللَّه السَّماواتِ والأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ( 44 ) اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ولَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ واللَّه يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ ( 45 )
المعنى : شبّه اللَّه تعالى حال الكفّار الَّذين اتّخذوا غيره آلهة بحال العنكبوت أي من اتّخذ الأصنام آلهة ويريدون منها النصر والنفع ويرجعون إليها عند الحاجة * ( [ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ ] ) * والعنكبوت يذكّر ويؤنّث * ( [ اتَّخَذَتْ ] ) * لنفسها * ( [ بَيْتاً ] ) * لتأوي إليه فكما أنّ بيت العنكبوت لا يغني عنها شيئا لكونه في غاية الوهن والضعف كذلك الأصنام لا تغني عنها شيئا ولا يقدر الأصنام أن تدفع عذاب ساعة من عذاب العاجل والآجل وإنّ حكم آلهتهم كحكم العنكبوت وبيته لا يجير آويا ولا يريح ثاويا لأنّ البيت ينبغي أن يكون له أمور : حائط حائل وسقف مظلّ وباب يغلق للحفظ عن البرد والحرّ وغيرهما فإذا
هامش
( 1 ) الإسراء : 70 .