لم يحصل من البيت هذه الأمور فهو كالبيداء وكذلك المعبود ينبغي أن يكون منه الخلق والرزق والنفع ودفع الضرر فإن لم يكن كذلك فهو والمعدوم سواء .
على أنّه أدنى مراتب البيت أنّه إذا لم يكن سبب ثبات وارتفاق فلا أقلّ من أن لا يكون سبب شتات وافتراق لكن بيت العنكبوت يصير سبب انزعاج العنكبوت فإنّ العنكبوت لو دام بيته في زاوية مدّة واتّخذ بيتا أتبعه صاحب الملك بتنظيف البيت منه والكنس ويقدم بأمور مؤذية لجسم العنكبوت فكذلك العابد للوثن إن دام على عبادته فذلك يوجب له العذاب الدائم .
وإنّما عبّر سبحانه بقوله : « من دون اللَّه أولياء » ولم يقل آلهة إشارة إلى الشرك الخفي وفساده فإنّ من عبد اللَّه رياء لغيره فقد اتّخذو ليّا غيره فمثله مثل العنكبوت .
ثمّ قال سبحانه : * ( [ وإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ] ) * صحّة ما أخبرناهم ، وتقدير الآية : لو علموا أنّ اتّخاذهم الأولياء كاتّخاذ العنكبوت بيتا سخيفا لم يتّخذوهم أولياء .
قوله تعالى : * ( [ إِنَّ اللَّه يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِه مِنْ شَيْءٍ وهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ] ) * هذا زيادة توكيد على التمثّل أي إنّ اللَّه يعلم أنّ ما يدعونه ليس بشيء ويعلم عبادتهم لغيره وهو قادر على إهلاكهم وحكيم في الأمور يمهلهم للمصلحة ووجه النظم مع الآية السابقة هو أنّه لما مثّل أهل عبادة غير اللَّه كمثل العنكبوت والكافر لو يقول أنا لا أعبد هذه الأوثان الَّتي أتّخذها وهي تحت تسخيري وإنّما أعبد صورة كوكب أو شخص أنا تحت تسخيره ومنه نفعي وضرري وخيري وشرّي ووجودي ودوامي فله سجودي وإعظامي فقال : إنّ اللَّه يعلم أنّ كلّ ما يعبدون من دون اللَّه هو مثل بيت العنكبوت لأنّ الكوكب والملك والفلك وكلّ ما عدا اللَّه لا ينفع ولا يضرّ إلَّا بإذن اللَّه فعبادتكم للغائب الَّذي بزعمكم هو النافع وتزعمون هذا الحاضر الَّذي تعبدونه مثال ذلك الغائب وهيكله ولهذا الهيكل تعلَّق بذلك الأصل فكلّ هذه المزعومات مثل العنكبوت ولا يستحقّون العبادة .
قوله : * ( [ وتِلْكَ الأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ ] ) * قال الكافرون : كيف يضرب خالق السّماوات والأرض الأمثال بالحشرات والهوامّ مثل البعوض والذباب
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 185
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٨٥