ولمّا بيّن أنّه أعلم بما في القلوب بيّن أنّه يعلم المؤمن المحقّ وإن لم يتكلَّم والمنافق وإن تكلَّم فقال :
* ( [ ولَيَعْلَمَنَّ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ ] ) * وأكّد هذا المعنى بلام القسم قال الجبّائيّ : معناه : وليميّزنّ اللَّه المؤمن من المنافق ، فوضع العلم موضع التميّز توسّعا ، وفي الآية تهديد للمنافقين وبيّن لهم أن نفاقكم ظاهر عند من يملك الجزاء .
قوله : * ( [ وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ] ) * الآية ، لمّا بيّن اللَّه سبحانه الفرق الثلاثة من المؤمن والكافر والمنافق وأحوالهم ذكر أنّ الكافر يدعو المؤمن إلى طريقته كأنّه يقول له : لأيّ شيء تصبر في الذلّ والإيذاء ولم لا تدفع عن نفسك الذلّ والعذاب بموافقتنا وكان المؤمن يقول ويجاوبه : خوفا من عذاب اللَّه على خطيئة مذهبكم ، فقال الكافر : لا خطيئة فيه وإن كان فيه خطيئة فعلينا فاتّبعوا طريقتنا ونحن نحمل آثامكم عنكم وقوله : « ولْنَحْمِلْ » بصيغة الأمر وفيه معنى الجزاء وتقديره إن تتّبعوا ديننا حملنا خطاياكم عنكم ولنحمل هو المتكلَّم به نفسه في مخرج اللفظ والمراد به إلزام النفس هذا المعنى .
فإن قيل : ولنحمل صيغة أمر والمأمور لا بدّ أن يكون غير الأمر فكيف يصحّ أمر النفس من الشخص ؟ فإذا كان المعنى معنى الجزاء صحّ أي ليكن منكم الاتّباع بطريقتنا وليكن منّا الحمل من خطاياكم .
فأخبر اللَّه سبحانه بقوله : * ( [ وما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ ] ) * أي لا يمكنهم حمل ذنوبهم عنهم يوم القيامة فإنّ اللَّه لا يعذّب أحدا بذنب أحد * ( [ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ ] ) * فيما ضمنوا .
قوله * ( [ ولَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ ] ) * أي يحملون عذاب ضلالتهم بسبب كفرهم وعذاب إضلال غيرهم وهذا كقوله صلَّى اللَّه عليه وآله : من سنّ سنّة سيّئة الخبر وهذا كقوله « لِيَحْمِلُوا أَوْزارَهُمْ كامِلَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ ومِنْ أَوْزارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ » « 1 » .
قوله : * ( [ ولَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ ] ) * ولمّا قالوا : أن تتّبعونا تحمل يوم القيامة خطاياكم يقال لهم فاحملوا خطاياهم فلا يحملون فيسألون لم افتريتم أو المعنى أنّ الكفّار إنّما تعهّدوا بحمل خطاياهم حيث إنّهم ما كانوا يعتقدون الحشر فإذا جاء يوم القيامة ظهر لهم خلاف ذلك فيسألون ويقال لهم : أما قلتم أن لا حشر فلم افتريتم ؟ وهذا
هامش
( 1 ) النحل : 25 .