وفيه إبطال مذهب المجبّرة الذين يقولون ما أراد التذكّر إلَّا ممّن يتذكّر فأمّا من لا يتذكّر فقد كره ذلك ونصّ القرآن دافع لهذا القول .
قوله تعالى : * ( [ وما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ ] ) * والجانب الغربيّ المكان الواقع في شقّ الغرب وهو المكان الَّذي وقع فيه ميقات موسى من الطور ، والأمر المقضيّ إلى موسى الوحي الَّذي أوحي إليه ، والخطاب في قوله « وما كنت » للرسول صلَّى اللَّه عليه وآله يقول سبحانه : وما كنت حاضرا المكان الَّذي أوحينا فيه إلى موسى ولا كنت من جملة الشاهدين للوحي إليه .
فلو قيل لمّا ثبت قوله : « وما كنت » ثبت أنّه لم يكن شاهدا لأنّ الشاهد لا بدّ وأن يكون حاضرا فما الفائدة في إعادة قوله : « وما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ » ؟ قال ابن عبّاس : التقدير :
ولو حضرت فما شاهدت تلك الوقائع .
أمّا قوله : * ( [ ولكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً ] ) * وهذا الاستدراك ما وجهه وكيف يتّصل ؟ فالوجه أنّا أنشأنا بعد عهد موسى إلى عهدك قرونا كثيرة * ( [ فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ] ) * وهو القرن الَّذي أنت فيه واندرست العلوم فوجب إرسالك إليهم وعرّفناك أحوالهم ولأنّه طال عهدهم بالمهلكين قبلهم وفترة النبوّة فحملهم ذلك على الاغترار فأرسلناك للناس رسولا كما جعلنا موسى رسولا وقيل : إنّ المعنى : خلقنا كثيرا عهدنا إليهم في نعتك وصفتك وأمرنا الأوّل بالإبلاغ إلى الطبقة الثانية وهكذا فامتدّ بهم الزمان فنسوا عهدنا إليهم فيك .
* ( [ وما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ] ) * أي ما كنت مقيما في قوم شعيب * ( [ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ] ) * ولم تشهدهم فتقرأ على أهل مكّة خبرهم ولم تشاهد الأنبياء وقصصهم وما تلوت من أخبارهم شيئا ولكنّا أوحينا إليك وقصصناها عليك حتّى تخبر قومك بهذه الأخبار فيدلّ ذلك العلم على صحّة نبوّتك ولولا الوحي لما علمت ذلك * ( [ ولكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ] ) * إيّاك أي أرسلناك إلى أهل مكّة وغيرها وأنزلنا عليك هذه الأخبار لتتلو عليهم هذه الأخبار * ( [ ولكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ ] ) * في كلّ زمان رسولا أرسلنا إلى أهل مدين شعيبا وأرسلناك لتكون خاتم الأنبياء وتتلو عليهم الأخبار ليصدّقوا نبوّتك .
* ( [ وما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا ] ) * يريد مناداة موسى ليلة المناجاة وتكليمه أي ولم تك يا محمّد حاضرا بناحية الجبل الَّذي كلَّمنا عليه موسى وناديناه يا موسى خذ الكتاب
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 143
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٤٣