« لولا » الأولى امتناعيّة وجوابها محذوف والثانية تحضيضيّة وحاصل المعنى ولولا أنّهم قائلون إذا عذّبوا بسبب إقدامهم على الشرك والمعاصي : لم ما أرسلت إلينا رسولا علينا ؟ لما أرسلنا الرسول .
واحتجّ الكعبيّ بهذه الآية على أنّ اللَّه يقبل حجّة العباد وليس الأمر كما يقوله أهل السنّة وظهر بهذا أنّه ليس المراد من قوله « لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ » « 1 » ما يظنّه أهل الجماعة ، وإذا ثبت أنّه يقبل الحجّة وجب أن لا يكون فعل العبد بخلق اللَّه وإلَّا لكان للكافر أعظم حجّة على اللَّه .
قال القاضي : في الآية إبطال القول بالجبر من جهات : إحداها أنّه إذا خلق الكفر فيهم وأراد لوجب حصوله سواء أرسل الرسل أم لا فما الفائدة في هذا البيان وأيّ فائدة لإرسال الرسل والكتب ؟ وإذ كان إيمانهم وكفرهم موقوفا بخلق اللَّه وإرادته فإرسال الرسل وإنزال الكتب وعدمها سواء وليس لهذه الآية معنى وهي « لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّه حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ » « 2 » فثبت أنّ العبد قادر ومختار على قبول الإيمان كما هو قادر على قبول الكفر .
أمّا قوله * ( [ فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا ] ) * أي محمّد والقرآن والإسلام * ( [ قالُوا لَوْ لا أُوتِيَ ] ) * أي هلَّا أعطي محمّد * ( [ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى ] ) * من فلق البحر واليد البيضاء والعصا ، وقيل :
المراد منهم : هلَّا اوتى كتابا جملة واحدة مثل التوراة . وذلك القول من المشركين بتعليم اليهود فاحتجّ اللَّه عليهم بقوله * ( [ أَولَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ ] ) * وقد كفروا بآيات موسى كما كفروا بآيات محمّد [ و * ( قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا ] ) * يعنون التوراة والقرآن ، ومن قرأ « ساحران » فمعناه أنّهم قالوا : تظاهر موسى عليه السّلام ومحمّد صلَّى اللَّه عليه وآله * ( [ وقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ ] ) * من التوراة والقرآن .
قال بعض المفسّرين : وكانت هذه المقالة حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤساء اليهود بالمدينة في عيد لهم فسألوهم عن محمّد فأخبروهم بنعته وصفته في كتابهم التوراة فرجع الرهط
هامش
( 1 ) الأنبياء : 23 .
( 2 ) النساء : 164 .