كذّبتموني ويعلم أنّ العاقبة الحميدة لنا ولأهل الحقّ ، وهذا الكلام كما يقال : اللَّه أعلم بالمحقّ منّا والمبطل * ( [ إِنَّه لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ] ) * ولا يفوز بالخير من ظلم نفسه بالشرك وعصى ربّه بالمخالفة .
* ( [ وقالَ فِرْعَوْنُ ] ) * منكرا لما أتى به موسى عليه السّلام لمّا عجز اللعين عن جواب موسى وحججه * ( [ يا أَيُّهَا الْمَلأُ ] ) * يريد أشراف قومه * ( [ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ ] ) * بيان ذلك أنّ موسى عليه السّلام لمّا دعا فرعون إلى الإيمان باللَّه قال فرعون لموسى وهارون : من ربّكما ؟ قال : ربّ السماوات والأرض ، فأوهم الخبيث في هذا البيان أنّه أمّا في الأرض فليس إله غيري ولأجل أنّ موسى يدّعي أن اللَّه ربّ السماوات موّه على أغمار الناس وأمر وزيره هامان بأن اتّخذ ألبانا « 1 » وأوقد عليها وابن منها صرحا عاليا وقصرا متطاولا حتّى نرى أنّ موسى هل يصدق أو يكذب ونطَّلع على حال ربّه وما أظنّ أن يصدق بل أظنّه من الكاذبين في ادّعائه إلها غيري وأنّ موسى رسوله .
واختلفوا في أنّ فرعون هل بنى هذا الصرح فقال قوم : قد بنى وجمع هامان العمّال حتّى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء وأمر بطبخ اللبن والجصّ ونجر الخشب وضرب المسامير فشيّدوه حتّى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق فبعث اللَّه جبرئيل عند غروب الشمس فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع : قطعة وقعت على عسكر فرعون فقتلت ألف ألف رجل وقطعة وقعت في البحر وقطعة وقعت في المغرب ولم يبق أحد من عمّاله إلَّا وقد هلك . وقد روي في هذه القصّة أنّ فرعون ارتقى فوقه ورمى نشابة نحو السماء فأراد اللَّه أن يفتنهم فردّت إليهم وهي ملطوخة بالدم ، فقال : قد قتلت إله موسى ! فعند ذلك بعث اللَّه جبرئيل لهدمه .
ومن الناس من قال : إنّه لم يبن ذلك الصرح لأنّه يبعد من العقلاء أن يظنّوا أنّهم بصعود الصرح يقربون من السماء مع علمهم بأنّ من علا أعلى الجبال الشاهقة يرى السّماء كما كان يراها حين كان على قرار الأرض وهكذا القول فيما يقال في كيفيّة السهم .
قال الرازيّ في المفاتيح : لا يليق بالعقل والدين حمل القصّة الَّتي حكاها اللَّه في
هامش
( 1 ) جمع لبنة : الآجرّ .